هاتفت سيرين آلان في الساعات الأولى من صبيحة يوم الخميس
18 فبراير – شباط عند الواحدة صباحا، كان على وشك أن يتمكن منه النوم، سمع رنة على
هاتفه الخلوي، على شاشة الجهاز رأى رقما غير مسجل، من عادته لا يجيب على الأرقام الغيرالمسجلة
في قائمة أصدقاءه، لكنه أبى إلا أن يجيب هذه المرة، بحكم أنه كان على أحر من الجمر
و هو ينتظر فتاته، حدسه لم يخيب فقد كانت هي بصوتها العذب، صارم إلى حد ما، يغلب
عليه الكثير من الجدية، بطبيعة الحال آلان فرح بهذا الاتصال، خصوصا كان شغوفا
بالتعرف عليها أكثر، المهم تلك الفتاة كانت مهذبة أكثر من اللازم، ما جعل من آلان
متشوقا أكثر فأكثر لرؤيتها و التحدث معها على انفراد، لكن تخوف الحبيب أتى من
اختلاف المعتقد الديني، فسيرين امرأة شديدة التدين أما هو فعلماني لأبعد الحدود،
تبادلا أطراف الحديث على مواصفات فارس الأحلام فكان ردها أن يكون إنسانا مهذبا
رومانسيا و متخلقا، قادر أن يمنحها الحنان و الأمان، كان يغلب على الحبيبة ضحكات
بين فينة و أخرى، ما جعل آلان يتعلق كثيرا بهذه الآنسة المصونة من أول مكالمة،
توادعا على أمل مكالمة أخرى، و هو ما كان بالفعل، كان حديثهم مطولا يوم بعد يوم،
لدرجة أن آلان يعد الدقائق و الثواني كي يتحدث مع حبيبته سيرين عبر الخلوي، فعلا
خلال الأيام الأولى، فقد كانت المكالمات مفعمة المشاعر، لكن سرعان ما خفت نور و
صدى المكالمات، لأن السيد الوالد سوف يعود من بيروت في زيارة لشقيقتها الكبرى
حديثة الولادة، ما يعني أنها لن تستطيع التحدث عبر الخلوي مطولا كما في السابق،
لتتفق مع حبيبها أن يهاتفها مباشرة بعد دخولها مقر عملها خلال الفترة المسائية عند
الساعة الثالثة بعد الزوال، و مواعيد أخرى يكون ضغط الشغل قد خف بعض الشيء، لتصبح
الثالثة بعد الزوال كعيدا وطنيا للحبيبين و هم يعبران عن مشاعرهم و لهفتهم للقاء
قريب، مر شهر على هذه العلاقة عبر الخلوي، لتبدأ بعض المشاكل تطفو إلى السطح، من
بينها لباسها المحتشم الأكثر من اللازم، فهي تعتقد أنه رمز عفتها و قوة إيمانها
بالرب و هذا ما لا يروق حبيبها على الإطلاق، بعدها تحدثا عن القبل و العناق،
كالعادة تعنتت في هذه المسائل، الأدهى من كل هذا أنها من المحرمات على حد وصفها،
بات الوضع لا يطاق بالنسبة لألبير الذي لا يؤمن بالحب العذري على نقيض حبيبته، رغم
ذلك ساير تعنتها الغير المفهوم، من المؤكد أنها قد عاشت تجربة فاشلة بكل المقاييس،
ما جعلها تقمع مشاعرها أتجاه حبيبها، لا تريد تكرار تجربتها السابقة التي عرفت
فشلا ذريعا لا تستطيع البوح بها حتى و هي أمام المرآة، تندب حظها التعيس مع نذل
داس على كرامتها و هو يدخل في مغامرة عاطفية مع صديقة كأختها في الرضاعة، جعل من
هذه المسكينة مكسورة الجناح، لا تسطيع أن تثق في الجنس الآخر من هول الصدمة التي
سببت لها الانطواء على نفسها، باتت نظراتها يشوبها حزن و جرح عميق، ما يعذبها أكثر
أنها عاجزة كي تطوي هذه الصفحة إلى الأبد و تطلق العنان لمشاعرها مع حبيبها الذي
يكن لها كل المودة و الاحترام، كل ذلك جعل الحبيب يعيش في متاهات و مستقبل مظلم، يحس
في قرارة نفسه أن حبيبته لا تعبر عما بداخلها بشكل مثالي، يظن أنها لا تحبه، لكن
على العكس تماما فقد حرك فيها مشاعر دفينة، أعاد الروح في أحاسيس كانت في الإنعاش
العاطفي، لسخرية القدر أن آلان لم يحس بهذا الكم الهائل من المشاعر و لا هي بارعة
في تمرير هذه الأحاسيس الصادقة، ما يعني أن هذه العلاقة يشوبها الكثير من الغموض،
لكنها لم علاقة عادية بل كادت أن تكون علاقة وجدانية، تتوج بزواج كاثوليكي أبدي،
لولا تسرعها في اتحاذ قرار مصيري كاد أن يغير حياتها إلى الأبد، حيث ادعى آلان
لحبيبته سيرين أنه من الطائفة الأرثوذكسية، نزل هذا الخبر كالصاعقة على هذه الطفلة
الوديعة، هاتفته في اليوم الموالي و هي تبكي و تندب حظها من هول الصدمة، ما جعل من
ألبير يمهد لها الطريق كي يبوح لها عن معتقده العلماني لكن من نفس طائفتها، حيث قال
لها كيف سيكون شعورها إن كان حبيبها من طائفتها لكن ليس بمتدين، بدون تفكير و بكل
عفوية قالت أن ذلك سوف لن يروق لها، بردها هذا قطعت الحبل السري الذي كان يربطها
بآلان إلى الأبد.
نهاية دراماتيكية، تلك هي العلاقة الصادقة لم يكتب لها
الرب كي تصل إلى نهاية سعيدة، لا يمكن لها
ذلك، فسيرين حلمها أن ترتبط برجل متدين يواظب على قداس الأحد و المناسبات الدينية
الأخرى، حلم سيرين أن تحظر قداس أعياد الميلاد بكنيسة القيامة رفقة رفيق عمرها؛
فعلا آلان أمام سوء طالع مرة أخرى كان قد عاشه مع متدينة أخرى تدعى سيريس، التي كانت
تعشقه لحد الجنون. ختاما لنا عودة لقصة جديدة لألان مع سيريس.





