المشاركات الشائعة

الجمعة، 23 أغسطس 2013

خريف التغيير

تم أول أمس إخلاء سبيل الرئيس المصري المخلوع محمد حسني مبارك من سجنه في طره ليوضع تحت الإقامة الإجبارية في انتظار أن يبت القضاء في قضايا أخرى تهمه، منها قتل المتظاهرين و هي إجراءات شكلية مادامت كافة الأدلة التي ستدينه قد تعمد إتلافها من بنايات أمن الدولة، لكن محمد مرسي التي فسد في الأرض لسنة واحدة فقط فهو موقوف في مكان ما تابع لوزارة الدفاع المصرية ينتظر ترحيله للسجن. ما حدث بالأمس أعاد كل شيء لنقطة البداية، كأنه كابوس مزعج لمبارك و قد انزاح بلا عودة، لكن الكم الهائل من الشهداء الذين سقطوا إبان ثورة 25 يناير المجيدة و الثلاث عقود من حكمه و قد عبث بالمواطن المصري، جعله يعيش الذل، المهانة و الفقر المدقع، ليس بكابوس و قد انزاح بل سيبقى محفورا في ذاكرة كل مواطن عاصر هذه الأحداث و التقلبات السياسية التي لم تأت لصالح المصري البسيط بالمرة، كيف يعقل أن رئيسا اعتقل لما اقترفه من جرائم عدة ضد شعبه، استنزف ميزانية الدولة و تحكم في زمام الأمور باستبداد منقطع النظير، كيف يعقل لشخص مثل مبارك أن باع الغاز المصري لإسرائيل بثمن رمزي، كيف يعقل لهذا الرئيس أن قام بتفويت أراض لأصدقائه مقابل نسب تحول عبر حساباته السرية بالخارج، كيف يعقل لشخص مثل مبارك في عهده وصل عدد السكان الذين يزاحمون الموتى في المدافن إلى خمسة ملايين نسمة، كيف يعقل أن يغرق مئات المصريين في عبارة مترهلة و القضاء قد برأ الجناة الحقيقيين، كيف يعقل أن يموت جموع الناس و هم يتدافعون  في طوابير المخابز، كيف يعقل أن يصبح ابنه المدلل جمال أغنى أغنياء مصر بين عشية و ضحاها ، كيف يعقل أن يتم تفويت مؤسسة الحديد و الصلب لرفيق جمال مبارك ( أحمد عز )، كيف يعقل أن تصبح الأغلبية الساحقة في المجتمع المصري ذات نظام غذائي عاشب ( اللحوم من كماليات المجتمع المصري )، و أخيرا كيف يعقل أن يصبح نظام مبارك أشد عداء للفلسطينيين حتى من الإسرائيليين أنفسهم، و الآن هو حر طليق؛ في المقابل عندما نتحدث عن الثلاثمائة يوم التي قضاها محمد مرسي بقصر الاتحادية، أصبح الإعلام المصري متحررا أكثر من اللازم، بل بات الرئيس مرسي يقدم في برنامج أسبوعي ساخر ( برنامج البرنامج يقدمه باسم يوسف )، سقطت قدسية الرئيس التي كانت من ذي قبل، الأدهى من كل هذا أن باسم يوسف يتم التحقيق معه في النيابة العامة كحد أقصى و بعده يخلى سبيله، دون نسيان إعلاميون آخرون من قبيل إبراهيم عيسى و محمود سعد ينتقدون سياسة مرسي بل و يسخرون منه ، لم نسمع و لا مرة أنهم اقتيدوا في منتصف الليل وهم معصمي العين لمكان مجهول كما كان يحدث في عهد مبارك، صحيح أن الرئيس المعزول محمد مرسي قام ببعض الأخطاء منها الانفلات الأمني بصحراء سيناء ( قتل و اختطف بعض الجنود، و لم يتم القبض على الجناة الحقيقيين ) و مشاركة جماعة الإخوان في قرارات سيادية، ناهيك عن إقصاء معظم الأحزاب التي تعارض الإخوان في إديلوجيتهم ، و استحواذ أهل و عشيرة مرسي على معظم مؤسسات الدولة ( لجنة صياغة الدستور، مجلسي الشعب و الشورى، ثم الحكومة )، إلى التحرش الجنسي بالنساء التي تخرج في مظاهرات سلمية، و أخيرا تأجيج الصراع الطائفي بين الأقباط و المسلمين. رغم أخطاء مرسي، إلا أن ذلك لا يعني أن يتم سجنه و سلفه مبارك حرا طليقا، مهما فعل مرسي بشعبه في عام واحد، سوف لن يضاهي ما قام به مبارك و أسرته من تجاوزات في حق بني جلدته لثلاث عقود مضت؛ الشعب المصري يستحق أفضل بكثير من هذه الأوضاع المزرية التي عاشها في السابق ويعيشها حاليا، بات على المجتمع المصري كما ثار على رئيسيه يوم 25 يناير 2011 و 30 يونيو 2013 أن يثور حتى على الطبقة المثقفة التي تستغله أشر استغلال، لأنها تقطف ثمار الثورة على حساب دماء آلاف الشهداء و الجرحى الذين يمهدون لهم الطريق كي يذوقوا طعم السلطة التي يعشقونها لحد النخاع، لم أر أنذل طبقة مثقفة كهاته، تحرض مواطنين بسطاء للخروج في ثورة عن بكرة أبيهم و هي تراقب عن كثب عما سيتمخض عن هذا الحراك، إن نجحت الثورة تجدها أي الطبقة المثقفة في الصفوف الأمامية ترتب لحكومة غالبيتها العظمى من هؤلاء المرتزقة المتعطشون للجاه و السلطة، أما الثوار الحقيقيون فيتم إقصاءهم من كعكة الدولة؛ صحيح أن الجيش المصري متحيز للشعب إلا أن ذلك لن يشفع له و الدليل إقالة المشير محمد حسين طنطاوي من منصبه كوزير للدفاع بعد شهر من تسلم محمد مرسي مقاليد الحكم، ليخلفه الفريق عبد الفتاح السيسي الذي ثار على رئيسه بمباركة الثلاثون مليون مصري الذين خرجوا للشوارع و الميادين، التاريخ سيعيد نفسه بعد الانتخابات الرئاسية المقبلة، سيتم من خلاله إقالة السيسي كسابقه، ما مرده أن النخب السياسية تقصي كل ثائر ساهم في وصول هؤلاء للسلطة، الأسوأ من كل هذا أن يتم إخراج فلول نظام مبارك من السجن و بعدها عودتهم التدريجية للمشهد السياسي، الضحية يبقى دائما الشعب و الجيش. إطلاق سراح محمد حسني مبارك ينظر بكارثة على ربيع التغيير، كيف لا و بشار الأسد استخدم كل الوسائل المتاحة لديه من أجل إبادة شعبه و نظامه مازال قائما، حتى الأنظمة الأخرى التي لم تعرف التغيير بعد سوف تتنفس الصعداء، أمام شعوب المنطقة ستلازمها الدكتاتورية لأجيال قادمة، لحين تصحيح مسار الثورات العربية التي تعرف تخبطا فضيعا، الشعب هو الخاسر الأكبر من كل هذا. هنيئا للإستبداديون بحلول خريف التغيير.