حلم آلان بفتاة أحلامه قبل أن يلتقي بها قبل نحو شهر، من
أول نظرة في وجهها الطفولي البريء و أنوثتها الفياضة، تلك قصة غريبة لآلان مع حبيبته سيرين.
لقد عاش آلان حياته، يمني النفس أن يلتقي برفيقة العمر،
كان يمني النفس أن الحب مازال موجودا في عصرنا هذا، كان يمني النفس أن الفتاة
الرومانسية و الحساسة مازالت موجودة، كان يمني النفس أن يجد من ستستوعب رقته على أنها
رجولة، كان يمني النفس أن تتفهم الكم الهائل لمشاعره و حنانه نحوها أنها قوة الحب
ليست بضعف الشخصية، كان يمني النفس أن هذا المخلوق السوريالي مازال حاضرا في عصرنا
هذا، ليس منقرضا كما انقرضت مخلوقات الزمن الجوراسي، كان يمني النفس أن يجد صدرا
حنونا يضمه و يحنو عليه من وجع كارثة كادت أن تعصف به ليلة أربعاء 17 شباط –
فبراير. في صبيحة اليوم التالي، ذات يوم مشمس في عز الشتاء، انطلق آلان رفقة صديق
له لمكان بعيد عن مسكنه، يريد أن يرتاح قليلا من التوتر و الجو المشحون الذي سببته
له صاعقة ضربت منزله المطل على حافة الجبل، لولا الألطاف الإلاهية لصار في عداد
الأموات، ما جعل آلان يقوم برحلة نحو منطقة غابوية تبعد ساعتين بالسيارة عن كوخه
الجبلي، في جو صحو يسوده الهدوء بعد العاصفة التي كادت أن تحمل الكل إلى دار
البقاء، المهم في منتصف الطريق تناولا وجبة الفطور، ليستأنفا الطريق إلى أن وصلا
في تمام العاشرة و النصف صباحا، ركن سيارته في موقف خاص بالسيارات، نزلا من
السيارة ليهموا بالمشي وسط أشجار الارز الباسقة، تغطي المكان بأكمله، تكاد لا ترى
الشمس في الأعلى، استمتعوا بالجو الربيعي في عز الشتاء و الطيور تتناقل بين
الأشجار، زقزقتها تعزف سمفونية الطرب الأصيل، تكسر الهدوء المطبق على المكان؛
صادفوا للوهلة الأولى شيخا طاعنا في السن رفقة زوجته، صوتهم يكاد لا يسمع، ما فهمه آلان أن العجوزين
بدأوا يستحضران شبابهما في هذا المكان الذي كان شاهدا على أول لقاء جمع بينهما،
كيف أنقذت رفيقة العمر زوجها المستقبلي من بطش جنود الاحتلال الفرنسي لتدخله إلى
كوخها المتواضع و تقدم له كوب حليب ساخن، استمتع آلان و صديقه بقصة الحب التي تربط
بين زوجين نال منهم الزمن، لكن حبهم مازال قائما كما كان منذ ستة عقود مضت، تحدثا
مطولا عن شجرة كانت شاهدة عن أول لقاء جمع بينهما أواخر ثلاثينات القرن الماضي،
جلسا تحت الشجرة يتبادلان أطراف الحديث و هما يتبسمان لبعضهما البعض كما فعلوا في
القرن الماضي؛ بطبيعة الحال آلان و صديقه احترما خصوصية المكان لدى العجوزين،
استأنفوا طريقهما، ليتصادف آلان مع عائلة مكونة من رجل و امرأة، بنت في عقدها
الثاني و أخرى في عقدها الأول، كانت في غاية الجمال، ممشوقة القوام كأنها حورية
البحر، تناسق ألوانها كأنها دمية باربي، شعرها الحريري يلمع كالقمر عندما يصبح
بدرا، عيناها التي تهزم أعتد الديكتاتوريون عند التحدق فيهما، تحس أن الزمن قد
توقف للحظات و أنت تتمحص النظر فيما خلق، نظر آلان لساعته و جدها تشير للحادية عشر
تماما، كأنه ير يد أن يضبط ساعته مع حدث مهم، يريد توثيقه في أرشيفه الزمكاني، نظر
إليها نظرة خاطفة لكنها معبرة و هي كذلك بادلته نظرة بريئة ممزوجة بابتسامة لن
يستطيع فهمها إلا هو، لتختفي بعدها عن أنظاره هي و عائلتها. في أحضان هذه الطبيعة
الخلابة يوجد مطعم يقدم وجبات شعبية، ما حذا بآلان و صديقه إلا و أخذا مكانا لهما
عند حدود الحادية عشر و عشرون و دقيقة، اختارا مكانا يطل على واد به شلال، سماؤه
مزينة بقوس قزح، حظرت الوليمة، كانت عبارة عن أطباق لذيذة و متنوعة، أهمها طبق
الزنكل، زاد لذته هذا المكان البديع، عند الانتهاء تناولا شراب المتة ( تعود أصوله
للأرجنتين يقدم ساخنا كالشاي، انتشر كثيرا في جبل لبنان )، من أول رشفة حتى تراءت
لعيناي آلان الفتاة التي صادفها في طريقه نحو المطعم، ما أن حدق نظراته نحوها حتى
تبسمت له، ما جعله يفكر في كيفية اقتناص الفرصة للتحدث إليها، ما أن همت نحو
الثلاجة لاقتناء قنينة ماء لتعطي بعدها للنادل ورقة من فئة خمسة آلاف ليرة، حتى مد
لها آلان رقم هاتفه الخلوي في ورقة صغيرة و هو يهم بإحضار كأس فارغ، لا أحد اهتم
بالموضوع و لا حتى النادل، الكل كان منهمكا في المنظر الخلاب للشلال، ليشهد منتصف
النهار و خمس دقائق ميلاد قصة حب حقيقية من أول نظرة بين آلان و سيرين التي هاتفته
ليلة ذلك اليوم في ساعة متأخرة، تفاصيل هذه المكالمة في الجزء الموالي.

