المشاركات الشائعة

الثلاثاء، 7 أكتوبر 2014

ذكرى الرحيل ( الجزء الثاني )

حلت الذكرى الثانية لرحيل الأب، مازلت هذه الذكرى تحمل في طياتها إلي آلام دفينة بداخلي، صحيح أن هذه السنة و للمرة الأولى و أبي لا يلازمني في أحلامي كل ليلة، صحيح أن هذه السنة عرفت فيها بعض من السعادة حتى و إن كانت نسبية، إلا أن الصدمة التي لحقت بأمي بعد فراقها لرفيق عمرها، جعلنا نداوم على الأطباء خلال هذه السنة، بداية كنت خائفا عليها لكن حالتها الصحية استقرت و الفضل يعود لطبيبها الذي يستشير زميله ( شقيقي الأكبر ) في كل كبيرة و صغيرة، كما لا أنكر سفرها لمدينة فاس أواخر العام الماضي و قضائها أربعة أيام في فندق عبارة عن شاليهات ساعدها كثيرا في استعادة صحتها و عافيتها و لو نسبيا، بدأنا نرى وجنتيها قد احمرتا مجددا؛ أما عن أحوالي فقد تعرفت على فتاة من مدينة مجاورة، كانت غامضة بعض الشيء لدرجة أنها غيرت اسمها الشخصي ثلاث مرات ( ربما ستغيره مرات أخرى إن بقيت معها في تلك العلاقة الغرامية )، كما أنها مغرورة و معجبة بنفسها لحد الجنون ( النرجسية )، بحكم أنها خطبت ست مرات على ما أظن، جميعهم لم يروقونها سوى أنا بطبيعة  الحال ( حسب زعمها )، كل شخص حسب عيوبه أما الآنسة المصونة فهي امرأة كاملة في قرارة نفسها، فعلا تحسد على ثقتها الزائدة في نفسها، تتخذ قراراتها بحزم لا رجعة فيه، يحسب لها أنها منظمة التفكير، رزينة و قوية الشخصية، عيبها الوحيد أنها نرجسية بعض الشيء و كثيرة الشجار لأتفه الأسباب، و هذا ليس عيبها بل عيب والديها باعتبارها الطفلة المدللة و صاحبة العقل المدبر، يستشيرونها أفراد عائلتها في كل كبيرة و صغيرة ( حسب زعمها )، ما ولد لديها هذا الحزم و هذه القوة الخارقة في شخصيتها لكنها تصل لحد التعجرف و الغرور ( و هذا عيبها )؛ يحسب لهذه الآنسة المصونة أنها استطاعت أن تخرجني قليلا من ذاك الحزن الذي كان في داخلي و لو نسبيا، للمرة الأولى و أنا بأحد فنادق مدينتها نمت نوما عميقا و لم أحلم تلك الليلة بوالدي الذي لازمني في أحلامي لمدة ستة عشر شهرا، لدرجة أنني بدأت أشك أن أبي مازال حيا يرزق، يعيش معي لا يفارقني إلا عند نهوضي ( قبل وفاة والدي، كنت أخاف كثيرا إن حلمت بشخص انتقل إلى دار الآخرة )، صرت معتادا على حضور والدي في أحلامي، اختفى وجوده تدريجيا مباشرة بعد تلك الليلة التي ذكرتها سلفا، صحيح أنني مازلت أحلم بوالدي إلا أن ذلك بات لمرات قليلة، حتى أن زياراتي لقبره لم تعد كما في السابق، بت أزوره مرة كل شهر أو شهرين، ما يعني أن زيارة مقابر الأقارب مرتبطة بالحالة النفسية للأشخاص. صحيح أن المدينة التي كنت أزورها عندما أرى صديقتي السابقة لم أكن لها الكثير من الحب ( أقصد المدينة ) بحكم جوها القاسي ( حار جدا صيفا، و بارد جدا شتاء ) و أناسها الغير المتحضرين بالمرة، لكنني عندما عاودت زيارة هذه المدينة بدأت أستلطفها قليلا، لكن سرعان ما انقلب الشيء إلا ضده بسبب التحرش الجنسي المبالغ فيه الذي تعانيه فتاة هذه المدينة، و قد اكتشفت هذا عندما ارتدنا مقهى تظهر لك للوهلة الأولى أن مرتادوها أناس من الطبقة المتوسطة المثقفة، للأسف فور دخولي مع الصديقة السابقة حتى حدقت ثلاثون عينا في عشيقين لم يتبادلا حتى القبل أمام المتطفلين أمثال هؤلاء، و في اليوم التالي و نحن في طريقنا لمكان قريب من الحدود المغربية – الجزائرية المقفلة ( حزنت كثيرا عندما وصلت المركز الحدودي المقفل )، جلسنا بمركب مكون من قاعة للأفراح، مقهى – مطعم، مسبح و مكان يلهو فيه الأطفال، فعلا المكان في غاية الروعة، أخذنا أماكننا تحت الشجر ننغمس في الرومانسية، لكن صعلوكا جلس أمامنا يدخن سيجارة هزيلة و هو يشرب كوب شاي، بعد أن راقه المكان بدأ في الصراخ و هو يستغيث بزملائه الصعاليك كي يشاركونه الحديث، بطبيعة الحال غيرنا المكان أنا و تلك الفتاة بعد أن قطعوا علينا زمرة من الصعاليك خلوتنا؛ خلاصة القول، هذه المدينة المتاخمة الحدود مع الجزائر، الغالبية العظمى لشبابها يعانون من كبت جنسي فظيع، لا يفرقون بين بائعات الهوى و فتيات محترمات همهم الوحيد اصطياد فريستهم بكل الوسائل المتاحة، أما الأماكن العامة التي تظهر لك للوهلة الأولى أنها مكان للعائلات فقط، فتجدها مرتعا يعج بالصعاليك، للأسف الشديد هذه هي الصورة المصغرة لعاصمة جهة الريف – الشرق ( التقسيم الجهوي الجديد )، قدر الريف أن يسيره مكبوتين و صعاليك، كأن منطقتنا غير مؤهلة كي تسير من تلقاء نفسها، تتعامل معنا الدولة بإقصاء لهويتنا و لثقافتنا كما فعل صدام و القذافي أيام حكمهم، لا أحد يستطيع أن يفرض عليك أمرا واقعا، لقد عان إقليم كاتالونيا الأمرين في ظل الحكم العسكري لفرانكو، لكن هذا الإقليم سيقرر مصيره من جانب واحد في استفتاء شعبي يوم التاسع من نوفمبر القادم بشأن انفصاله عن اسبانيا، ما يعني أن إرادة الشعوب لا تقهر، خاصة أن الشعب الكاتالاني له تاريخ عريق غير مأجور أو مدسوس في المجتمع الإسباني عكس أهل الصحراء الذين يطالبون باستفتاء حول تقرير المصير و هم تناسوا أن أعضاء جبهة البوليساريو عملاء لدى المخابرات الجزائرية، همهم الوحيد الوصول للسلطة، أما بعد " الاستقلال " سيسلمون الصحراء المغربية للنظام الجزائري الذي أصابه الجنون بسبب الموقع الإستراتيجي لبلدنا و هو على المتوسط و الأطلنطي، لكن للمفارقة باتت الأسماك من الكماليات رغم ثلاثة آلاف كلم و هي طول الشريط الساحلي المغربي، لم تعد في متناول الطبقة المتوسطة بل اقتصرت على الطبقة الميسورة. عندما اقترب شهر رمضان الأبرك، توفيت ابنة عمي، صحيح أنها قد كانت مقعدة لما يزيد عن سبع سنوات لكن الدموع الغزيرة التي تتراءى لك في عيون أبناءها حمل إلي أوجاع الماضي عندما أستحضر رحيل الأب، إنه أمر فظيع هذا الإحساس، لكنها سنة الحياة ما علينا سوى الرضوخ لمشيئة الله، بعدها حل رمضان كل شيء مر بسلام ما عدا عودة النذلة التي عكرت نفسيتي، صدمت كثيرا لما بدر منها بحقي، خصوصا أنني عندما أستحضر ما قدمت لها لم أقدمه حتى لأعز ما أملك و هي والدتي، إلى مزبلة التاريخ يا من تظن نفسها أنها سيدة على الجميع و هي مجرد مجنونة و تافهة، ما حذا بي أن أقطع مسافة ألف و مائتي كلم في يومين فقط ( الناضور – الرباط – طنجة – الناضور )، فعلا أتت أكلها هذه المغامرة، استطعت أن أنسى الصدمة و الأزمة النفسية و أنا أعيش في جحيم فرض علي.

عندما حلت الذكرى الثانية لرحيل والدي دعوت له كثيرا بالرحمة و المغفرة و عيناي تدمعان، منذ زمن بعيد لم أبك على فراق والدي، صحيح أني حزين لفراقه لكنني أبكي في صمت، لا أدمع، افتقدته كثيرا عندما عانيت ما عانيته مع النذلة، أحسست أن الطرق الدبلوماسية باتت ملزمة علي، لا أستطيع أن أثور في وجهها عكس ما كنت متعود عليه من ذي قبل، افتقدته و أنا أحارب بالوسائل السلمية كي لا أؤذي أحد. إلى العام المقبل إنشاء الله و تغمد والدي بفسيح جنات النعيم.