إلى روح شهيد الكرامة محسن فكري.
عرف الأسبوع الماضي حدثا مؤلما شهدته مدينة الحسيمة،
تمثل في طحن مواطن مغربي في شاحنة لنقل الأزبال، ذنبه الوحيد أنه يريد كسب قوت
يومه بالرزق الحلال، لكن سلطات المخزن كان لها رأي آخر، يوم الجمعة 28 أكتوبر 2016
في حدود العاشرة مساء، ليفارق عالمنا للأبد.
منذ هبوب رياح التغيير قبل خمس سنوات بشمال أفريقيا و
الشرق الأوسط، بدأت تحس الأنظمة الرجعية بالخطر الذي يهدد ديمومتها، لتدافع بكل
شراسة عن بقاءها ( و هذا حال نظام بشار الأسد بسوريا )، هناك من عصفت برؤوسهم (
تونس، مصر، ليبيا و اليمن )، لكن الانتقال الديمقراطي المنشود لم يتحقق بعد ( شهدت
مصر ثورة مضادة بعد الإطاحة برئيس مدني و منتخب من قبل الشعب )، و بلدان أخرى شهدت
و تشهد حتى كتابة هذه السطور فوضى عارمة لا دولة على أرض الواقع، مليشيات من كل
صوب تتقاتل من أجل " كرسي العرش "، أما تونس فهي مهد الثورات، رغم
اختيارها لرجل طاعن في السن لقيادتها خلال هذه المرحلة الانتقالية، إلا أنها أحسن
حال بكثير من تلك البلدان التي هبت عليها رياح التغيير. في المغرب، سارع ملك
البلاد ببعض الإصلاحات قصد احتواء الأزمة التي تعصف بالمنطقة، من استفاء على دستور
معدل إلى انتخابات تشريعية حملت الإسلام السياسي لكرسي الحكومة، بطبيعة الحال استبشرنا خيرا من الخوانجية بداية، لكن
مع مرور الوقت بدأنا نحس أن التغيير المنشود ظل حبرا على ورق لا أقل و لا أكثر،
الأدهى من كل هذا، عرفت هذه الفترة ارتفاع مهول في الأسعار، خصوصا المواد الأساسية
( الزيت، السكر، الحليب، المحروقات، .... إلخ )، ناهيك عن الانتهاكات الخطيرة التي
لحقت بالمعطلين، إلى أساتذة متدربون و طلبة كلية الطب، حيث اقتحمت قوات حفظ النظام
الحرم الجامعي الذي عرف رفس بأرجل المخازنية إلى كسر الجماجم و الأضلع بالعصي و الهراوات، ناهيك عن اعتقالات
واسعة في صفوف " دعاة الفتنة "،
ليصبح العنف هو لغة الحوار الذي يتحاور به المخزن مع الطبقة المثقفة؛ أما الفئة
التي لم تسعفها الظروف لولوج المدارس فقد نالت حتى هي من كرم المخزن، مي فتيحة
بالقنيطرة التي صادر القائد عربتها، لبيع البغرير، من هول الصدمة أحرقت نفسها على
طريقة محمد البوعزيزي بتونس قبل خمس سنوات، لتستلم الحسيمة مشعل الحكرة منذ أسبوع،
عندما حاول شاب ثلاثيني اللحاق بأسماكه المصادرة، ليلقي حتفه مفروما هو و أسماكه
في شاحنة لنقل الأزبال، الغريب في الأمر ترددت كلمة " طحن مو " يقال أن خليفة الباشا هو من أمر سائق
الشاحنة بفرم محسن فكري، لتتسارع الأحداث
و هاشتاكات على مواقع التواصل الاجتماعي من قبيل " طحن مو "، إلى "
كلنا محسن ". أ لهذه الدرجة بات المواطن رخيصا لدى المخزن، أن يتم فرمه بين
الأزبال، إنها جريمة بشعة لزم محاسبة كبار المسؤولين قبل أعوانهم، غرسوا فيهم
مفهوم السلطة التي كانت سائدة في القرون الوسطى بأوروبا، تناسوا هؤلاء الأغبياء أن
التكنولوجيا الحديثة تعري كل كبيرة و صغيرة في جهلهم و استغلالهم الخاطئ لمنصبهم
الرسمي، إلى متى سنظل تحت رحمة هذه العصابة التي " ترعى مصالحنا "، إلى
متى تمارس جبروتها و سادتيها على مواطن بسيط، إلى متى لا ترقى لمستوى أن تكون إنسانا
يحترم أخيه الإنسان. هذه العقيدة العتيقة التي يعتنقها جهاز المخزن في حق أبناء
الوطن الواحد ستبقى راسخة في فكره و وجدانه إلى يوم الدين، مادام يمارس حماقاته
دون حسيب و لا رقيب، لو تم محاسبة هؤلاء على جرائمهم في حق أبناء الشعب، لو فتحت
ملفات الفساد و اقتصاد الريع، لو تم إيقاف الفاسدون أمثال ياسمينة بادو، مول
الكراطة، مول الشكلات، الكوبل الحكومي .... إلخ، لو تم إيقاف الرئيس التنفيذي
لشركة السيام عندما حرق ثلاثون تلميذا بكلميم، لو تم إيقاف وزير التجهيز و القناطر
الهشة التي تتحطم بزخات مطرية خفيفة، لما عربد هؤلاء المخنثون و مارسوا هوايتهم
المفضلة في طحن أولاد الشعب؛ في المقابل عندما تجد قاضيا شريفا كمحمد الهيني عارض رئيسه
المباشر ( وزير العدل ) فقد تم عزله، عندما تجد مواطنا بسيطا عرى الفساد الذي يطال
الطرق المعبدة فقد تم سجنه، عندما تجد بلدا يطل على شريط ساحلي يقدر بثلاثة آلاف
كلم ( 500 كلم بالنسبة للشريط المتوسطي، و 2500 كلم بالنسبة للشريط الأطلسي ) تجد واحد
كيلوغرام من السردين يناهز خمسون درهما فتلك هي الكارثة و الطامة الكبرى ( مؤخرا،
وصل كيلوغرام الواحد من العدس ثلاثون درهما ). الجميع يعرف و يعي جيدا أن المغرب
بلد غني يزخر بالخيرات و الثروات، لكن حكام الدولة أو العياشة ( سميها كما شئت )
هم من يستفيدون من كل هذا، أيعقل برلماني أمي يتقاضى ما قدره سبعة آلاف درهم إلى
يوم البعث نظير أربع سنوات قضاها بالبرلمان و هو نائم احيانا أو يلعب الورق على
اللوحة الإلكترونية، تجد أستاذا أفنى عمره في تربية الأجيال بالقانون الجديد
للتقاعد لن يتحصل أحيانا سوى على ما قدره خمسة آلاف درهم، أما ما يحز في النفس
جندي دافع عن حدود بلده، لتتقاضى أرملته معاشا يقدر بألف درهم، و الوزراء يتقاضون
أربعون ألف درهم مع مكافئة نهاية الخدمة نظير فضائحهم الجنسية أو فسادهم الإداري.
أ بهذه المبالغ الخيالية التي يستفيد منها خدام الدولة نصنف أنفسنا في مصاف الدول
الديموقراطية، إلى متى يتم قهر و طحن المواطن البسيط و العياشة يعيشون في رخاء و
هناء.
إن الاحتجاجات السلمية التي خرجت عقب اغتيال شهيد
الكرامة محسن فكري، هي جرس الإنذار للقائمين بأمور البلاد، إحداث اصلاحات عميقة و
حقيقية قبل فوات الأوان، في المقابل أحيي بحرارة الدكتورة نبيلة منيب على موقفها
المشرف و المسؤول، أعتذر منها عما بدر مني سابقا، أنني أتهمها بالتعالي و العنصرية
نحو الريف، كما أعتذر عما بدر مني بحق المواطنين الشرفاء من المدن الداخلية بسبب
تدوينات العياشة عن الهزات الأرضية التي لحقت بالريف أواخر يناير الماضي، ظانا مني
أنها من بني جلدتي، كما لا أفوت الفرصة لأشكر لبنى أبيضار عن موقفها في هذا المصاب
الجلل.








