مرت قبل أيام الذكرى الثانية
لمجزرة رابعة العدوية التي راح ضحيتها نحو 670 قتيلا ( حسب وزارة الصحة المصرية )،
ارتكبها النظام العسكري المنقلب على شرعية الرئيس المدني الوحيد في تاريخ مصر
الحديث، محمد مرسي يوم 3 يوليو 2013.
شهدت مصر بعد ثورة 25 يناير
التي أطاحت بحكم مبارك، انتخابات نزيهة فاز بها الدكتور محمد مرسي يوم 24 يونيو
2012 بنسبة تفوق بقليل 51%، بفارق ضئيل عن منافسه المحسوب عن فلول مبارك، الفريق
أحمد شفيق الذي كان آخر رئيس وزراء في عهد مبارك؛ لتنطلق مصر من مرحلة حكم العسكر
على مدار ست عقود من الزمن، و يتسلم دفة الحكم رئيس مدني منتخب محسوب على تيار
الإخوان المسلمين، فور تسلمه السلطة فقد ترصد له خصومه في كل كبيرة و صغيرة، عيب
هذا الرئيس المدني أنه كان ضعيف الشخصية و يغلب عليه الغباء السياسي، تقاسم السلطة
مع أهله و عشيرته ( الإخوان )، ليتبادر إلى ذهنك أنه مجرد ديكور وضع في فوهة
المدفع، هناك حاكم فعلي يدير شؤون البلاد من وراء الستار و هو خيرت الشاطر رجل
أعمال معروف تربطه مصالح اقتصادية و روحية مع دولة قطر راعية الإخوان ( هناك من
يقول محمد بديع مرشد الإخوان، أنه الرئيس الفعلي لمصر ). أول خطأ ارتكبه محمد
مرسي، عندما جعل أهله و عشيرته ينفردون بالسلطة، و هذا ما لم يرق حتى حلفاء الأمس
في ثورة 25 يناير، صحيح أنه تم إجراء انتخابات مجلس الشعب، أفرزت حصول الإخوان على
أغلبية المقاعد، حيث ترأس سعد الكتاتني هذا المجلس الموقر، ناهيك عن
المؤسسة الرئاسية التي باتت تعج بالإخوان، ما أثار تخوف الكل من طريقة إدارة
البلاد من قبل أهل و عشيرة مرسي، حيث تحالف سياسيون بارزون خارج السلطة مع فلول
مبارك، ناهيك عن رجال أعمال، رجال أمن، قضاة و المؤسسة العسكرية، هذه الأخيرة تكن
الولاء و الإخلاص لمبارك باعتباره قائد سابق في سلاح الجو ( صاحب الضربة الأولى،
كما يزعم أنصاره )؛ ثاني خطأ اقترفه محمد مرسي، عندما أقال الرجل القوي المشير
حسين طنطاوي وزير الدفاع ( الحاكم العسكري لمصر بعد الثورة لحين تسلم مرسي دفة
الحكم )، و زميله رئيس الأركان الفريق سامي عنان يوم 12 أغسطس 2012، ليعبد الطريق
أمام المؤسسة العسكرية كي تعيد حساباتها مع هذا الرئيس الإخواني الذي أهانهم و
احتقرهم، و قد تم تعيين الفريق عبد الفتاح السيسي وزيرا للدفاع خلفا لمعلمه
المشير الطنطاوي، من غباء الإخوان أنهم عندما وجدوا هذا الشخص ملتزم دينيا ظنوا
حينها أنه ذو ميول إخواني، لكنهم ارتكبوا خطئا جسيما سيندمون عليه طوال حياتهم؛ و
أخيرا الخطأ الثالث الذي ارتكبه الرئيس محمد مرسي، عندما عجز عن احتواء الأزمة، لم
يأخذ بنصيحة مستشاره الدكتور محمد محسوب ( أستاذ القانون الدولي، كان مشرفا على
لجنة صياغة الدستور و لجنة استرداد المال المنهوب من طرف حاشية مبارك )، الذي دعاه
التقدم بالاستقالة و الدعوة لانتخابات رئاسية مبكرة، ذلك حتى يمتص الغضب الشعبي
الذي يؤجج عواطفه كل الفصائل بلا استثناء، لم يفهم الدرس جيدا أن فلول مبارك
بحنكتها تحاك له مؤامرة لكن من الشعب الذي سيثور عليه يوم 30 يونيو 2013، أنهت
حكمه يوم 3 يوليو 2013، أجمع الكل أنها ثورة تصحيحية ( و أنا منهم كالأبله متتبع
للشأن المصري )، تصحيح لمسار ثورة 25 يناير، لكن هيات ثم هيات، مع مرور الأيام و
الشهور اتضحت الوجهة الحقيقية لهذه الثورة المزعومة، أنها مجرد إنقلاب على الشرعية
أو ثورة مضادة ( سميها كما شئت )، و الدليل على ذلك أن جميع رموز مبارك قد تم
تبرئتهم من جميع القضايا، كالفساد و قتل المتظاهرين، الأدهى من كل هذا أن مبارك
الذي حكم البلاد بيد من حديد على مدار ثلاث عقود خلت، قد تم إخلاء سبيله هو و
نجليه من سرايا " المحكمة "، برأ من تهم الفساد كتهريب أموال الدولة
المصرية نحو سويسرا و صفقته مع إسرائيل و هو يمدها بالغاز الطبيعي بسعر تفاضلي (
بتراب الفلوس حسب تعبير الأشقاء )، و خوصصة بعض مؤسسات الدولة ( مؤسسة الحديد و
الصلب ) و تفويتها بثمن رمزي لصديق جمال مبارك، رجل الأعمال البارز أحمد عز، كل هذا
و قد استفاد مبارك و أعوانه من البراءة؛ في المقابل، نال الإخوان أحكاما قاسية
تتراوح بين المؤبد و الإعدام، فيما يخص الرئيس مرسي فقد تقدم للمحاكمة لأول مرة في
سبتمبر 2013، من شدة غضبه على القضاة قال أنه الرئيس الشرعي للبلاد، لا يوجد أي
سند قانوني بموجبه معتقل، ما جعل المؤسسة العسكرية تتكرم بتحويله عبر المحاكم
العسكرية التي أصدرت بحقه يوم 21 أبريل 2015 حكما بعشرين سنة، بقدرة قادر تحول
الحكم بعد شهر تحويل أوراقه لفضيلة مفتي الديار المصرية ( أي الإعدام )، بتهمة
التخابر مع حماس و قطر، الهروب من السجن ( كان معتقل أيام مبارك ) و هذا غير صحيح
لأن السجون فتحت منذ الأيام الأولى لثورة 25 يناير، حيث أن مرسي كان معتقل سياسي
ليس بمجرم، دون نسيان قتل المتظاهرين أمام قصر الاتحادية أواخر 2012 ( حدث احتكاك
بين متظاهرين من أنصار مرسي يدافعون عن القصر الجمهوري و آخرون موالون للفلول، سقط
سبعة أشخاص فقط لا غير )، كما أن حركة 6 أبريل لم تسلم هي كذلك من المحاكمات
العسكرية، بات الكل مستهدف في مصر ما عدا فلول مبارك و أتباع السيسي (
الرئيس الحالي الذي فاز بانتخابات شكلية قبل نحو عام )، بات الإعلام المصري مغيب
لدرجة أن الكل بلا استثناء يهللون لرئيسهم السفاح و هو يقوم ببعض الإنجازات، كان
آخرها تفريعة قناة السويس، يخال إليك أن هذه القناة قد تم حفرها في عهده
و ليس في عام 1859، هذا الرئيس الجديد مجرد أداة قمع للمتظاهرين و قتل الأبرياء،
تبرئة فلول مبارك و اعتقال '' الخارجون عن القانون "، أصبحت السجون و
المعتقلات تعج بالأطفال و المسنين، ناهيك عن الموت الفجائي للمعتقلين ( آخرهم محمد
عصام دربالة، رئيس مجلس شورى الجماعة، توفي يوم 9 أغسطس 2015 بسجن العقرب ) بسبب
الإهمال الطبي المتعمد الذي راح ضحيته منذ تولي السيسي الحكم نحو 265
شخص، لتكون السجون الإسرائيلية رحيمة بمعتقليها، صار النظام العسكري المصري على
خطى شقيقه النظام السوري، لو ثار الشعب المصري على السيسي، ستدخل أرض الكنانة
في دوامة عنف ستتحول فيما بعد لحرب أهلية كما يحدث الآن بسوريا، بحكم تقارب
الثقافة العسكرية المصرية مع شقيقتها السورية، القائم بمصر سوف لم و لن يسلم
السلطة لأي حاكم مدني بعد الآن، اللهم إن حصل انقلاب داخل الجيش، يريد أن
يجنب مصر السيناريو الدراماتيكي السوري، حينذاك ستنتقل مصر لمصاف الدول
الديموقراطية، و الدليل على ذلك أنها قد كانت على وشك ذلك إبان حكم مرسي، كان
باستطاعة الإعلام انتقاد أداء الرئيس بكل جرأة، الأدهى أنه وصل حد السخرية من شخص
الرئيس في سابقة هي الأولى من نوعها في منطقة الشرق الأوسط – شمال أفريقيا ( باسم
يوسف خير دليل على ذلك، لكنه غادر البلاد بعد الانقلاب، هدد بالقتل لأنه أراد
السخرية من النظام القائم كما كان يفعل مع نظام مرسي ).
أتأسف كثيرا على الدكتور عبد
الحليم قنديل الذي أصبح من أبواق النظام، يذكرني بالدكتور
عدنان البدادجي الذي كان معارضا لنظام صدام حسين لكنه لم يتردد الدخول
في تخالفات مع خونة و عملاء الاحتلال الأمريكي للعراق في مارس 2003؛ أما فيما يخص
الشعب المصري فقد أصبح على المحك، إما التراجع للوراء ( الخضوع، الخنوع و العبودية
)، إما ثورة عارمة تسقط حكم العسكر و محاكمة المذنبون الحقيقيون، على النظام
الجديد لما بعد الثورة – الأمل، أخذ العبرة من حكم الإخوان، انتقال ديموقراطي
حقيقي دون إقصاء لأي فصيل، عدم التفرد بالسلطة بحجة الصندوق الانتخابي، لا يمكن
فرض الأمر الواقع بين عشية و ضحاها على منظومة فاسدة قائمة منذ ستة عقود خلت، لزم
عدم حرق المراحل، كل مرحلة من مراحل الانتقال الديمقراطي وجب المرور منها.
ختاما، نتمنى كل الخير لمصر و لشعبها، أمل العالم الثالث.






