إلى روح أستاذي عبد
الوهاب الحموتي
بعد اثنان و تسعون شهرا، لا تزال
سوريا تنزف دما بسبب تقاعس المجتمع الدولي في اتخاذ قرار جريء، يخلص الشعب المسكين
المغبون على أمره من نظامه البهيمي و الجماعات الإسلامية المتمثلة في تنظيم الدولة
أو كما هو رائج تم اسم داعش؛ بات واضحا للعيان أن هذا المجتمع الدولي هو المسؤول
عن تولد تنظيم إرهابي بحجم داعش.
منذ الأيام الأولى من الثورة
السورية منتصف شهر مارس 2011، دخلت الولايات المتحدة و حلفائها التقليديون، متمثلا
في المملكة المتحدة، فرنسا و دول الخليج في " ألعوبة سوريا " كأنها تقف
إلى جانب الشعب السوري، في المقابل تجد روسيا و حلفائها التقليديون، متمثلا في
جمهورية الصين الشعبية و معظم دول ما يسمى عدم الانحياز ( إيران بصفة خاصة ) وقفت
في صف قوات النظام؛ بداية كان مقر الأمم المتحدة مسرحا لأحداث سوريا، حيث كل مرة
يتم إبطال قرارات مجلس الأمن بفيتو مزدوج من روسيا و الصين ( أعضاء مجلس الأمن :
الولايات المتحدة، بريطانيا، فرنسا، روسيا، الصين ) عن أي مشروع إدانة بحق الآلة
العسكرية لقوات النظام السوري و هي تقوم بإبادة و تشريد شعبها. نقطة التحول في
الثورة السورية هي تحرير حلب من يد النظام، تعد هذه المدينة العاصمة الاقتصادية و أكبر المدن السورية، كانت
بعيدة عن مسرح الأحداث بسبب تواجد كم هائل من الأثرياء و رجال أعمال تابعون ضمنيا
للنظام السوري، لكنهم انقلبوا عليه لينضموا لصفوف الثوار، لتشهد حلب أشرس معركة
بين قوات النظام و المعارضة، تمخض عن ذلك تحرير هذه المدينة من قبضة النظام أواخر يوليوز 2012، ما جعل هذا
النظام البهيمي يعيد حساباته، ليستنجد بقوات خارج الحدود، أهمها مليشيات حزب الله
اللبناني و قوات الباسيج ( تعني بالفارسية قوات التعبئة الشعبية ) المنضوية تحت
لواء الحرس الثوري الإيراني، ليدخل النظام بكل ثقله من أجل قمع شعبه بمساندة إخوته
في الطائفة الشيعية ( عائلة آل الأسد ضمن الطائفة العلوية، منبثق عن المذهب الشيعي
)، هذه المعارك المقدسة التي خاضتها كتائب الأسد مع الميلشيات الشيعية خارج الحدود
و هي تمارس تطهير عرقي بحق السنة أو حتى الطائفة المسيحية يذكرنا بالتطهير العرقي
الذي مارسته القوات الصربية بحق مسلمو البوسنة و الهرسك أواخر تسعينيات القرن
الماضي، تمخض عن هذه " اللحمة الشيعية " سقوط مدينة القصير في أيدي
النظام أوائل شهر يوليوز 2013، وسط فرحة عارمة بين الأوساط الشيعية كأنهم حرروا
القدس، احتفلوا بسقوط القصير كما يحتفلون عادة بحلول نيروز ( رأس السنة الفارسية
يقابل 21 مارس )، يقدمون أشهى الأطباق التي طبخت بدماء السوريين و بمباركة روسيا و
أسلحتها الفتاكة. دخل التيار السني المتطرف على خط النار، متمثلا في جبهة النصرة و
داعش، لكن جبهة النصرة ما من مرة حاربت جنبا إلى جنب مع الجيش السوري الحر (
معركتي حلب و القصير خير مثال على ذلك)، أما تنظيم داعش فهو يحارب النظام و
المعارضة على حد سواء، ما حذا بزعيم تنظيم القاعدة الحالي أيمن الظواهري إرسال
مبعوثه الخاص لدرء الصراع القائم بين جبهة النصرة و داعش ( جناحان مسلحان منبثقان
عن تنظيم القاعدة )، ناهيك عن الرسالة الصوتية التي بثتها قناة الجزيرة يدعو من
خلالها زعيم تنظيم القاعدة كل من أبو محمد الجولاني و أبو البغدادي وضع الخلافات
جانبا، كما أن الظواهري قال أن الجهاد الحقيقي هو بلاد الرافدين و ليس بلاد الشام،
كل ذلك لم يأت بالنتيجة المرجوة بدليل اغتيال مبعوث القاعدة إلى سوريا أبو خالد
الصوري يوم 23 فبراير 2014 بمدينة حلب إثر هجوم انتحاري نفذه دواعش سوريا بأمر
" أمير المؤمنين " أبو بكر البغدادي، لتعلن القاعدة تبرئتها من هذا
التنظيم بصفة نهائية. نشطت عمليات داعش بشكل كثيف بالعراق و سوريا، فيما يخص بلاد
الرافدين فيعرف هذا التنظيم مباركة مليشيات مسلحة يترأسها عزت الدوري ( نائب
الرئيس الراحل صدام حسين ) و جميع الفصائل السنية التي تكره نظام نوري المالكي،
مارس خلال حكمه الذي امتد لثماني سنوات ( 20 مايو 2006 – 8 سبتمبر 2014 ) حرب
طائفية على إخوته السنة بحجة استئصال بقايا حزب البعث، ما حذا بالسنة التحالف مع
تنظيم إرهابي كداعش لإسقاط نظام ولاية الفقيه في العراق، حيث سيطروا على أهم المدن
العراقية كالموصل و الفلوجة ( تابعة ترابيا لمحافظة الأنبار )، دون نسيان محافظة
صلاح الدين ( مسقط رأس صدام حسين ) في أحداث متسارعة منتصف يونيه 2014؛ أما جارتها
سوريا فقد بدا للعيان أن داعش تحارب الجيش الحر ( قادته علمانيون، انشقوا عن كتائب
الأسد ) و جبهة النصرة على حد سواء. و عن الخليفة أمير المؤمنين أبو بكر البغدادي ( اسم الولادة: إبراهيم عواد إبراهيم علي البدري
) فهو من مواليد السمراء ( محافظة صالح الدين العراقية ) عام 1971، ظهر نشاطه
" الجهادي " بعد سقوط بغداد يوم 19 مارس 2003، بداية مع أبو مصعب
الزرقاوي ( 30 أكتوبر 1966 – 7 يونيو 2006 ) خليفة تنظيم القاعدة في بلاد الرافدين،
لكن " أمير المستقبل " تم توقيفه من طرف القوات الأمريكية عام 2005
ليودع سجن بوكا بأم القصر جنوب شرق العراق، بات نزيلا بهذا السجن الحربي حتى عام
2009 ( بعد مقتل أبو مصعب الزرقاوي )، ليعود لنشاطه المعتاد في تنظيم القاعدة تحت اسم
تنظيم الدولة الإسلامية في العراق، حيث قام بعمليات نوعية ضد الطائفة المسيحية و
الشيعية على حد سواء ( خريف 2010 )، بعد مقتل زعيم تنظيم القاعدة السابق أسامة بن
لادن يوم 2 مايو 2011، كثف هذا التنظيم في خطوات انتقامية من مقتل خليفتهم "
أمير المؤمنين " ، شهد يوم 4 أكتوبر 2011
أن أضيف البغدادي على لائحة المطلوبين من قبل الولايات المتحدة الأمريكية،
حيث رصدت له عشرة ملايين دولار مقابل القبض عليه، أما أبريل 2013 فقد تم تغيير اسم
التنظيم بالدولة الإسلامية بالعراق و الشام ( اختصارا داعش )، ليعبر هذا التنظيم
الحدود كي يدخل الجارة سوريا، بطبيعة الحال الصراعات القائمة ببلاد الشام فقد
ألغيت الحدود بغير رجعة، سجل هدا التنظيم على علو كعبه في جرائمه البشعة كقطع
الأيادي و الرؤوس على حد سواء، ما أفزع الثوار من هذه الممارسات البهيمة بحق
مدنيين عزل التي تعود لحقبة العصر الجاهلي، بطبيعة الحال المستفيد الأكبر من كل
هذا نظام بشار الأسد، إنها هدية من السماء قدمت لهذا النظام من قبل المخابرات
الأمريكية – البريطانية و الموساد
الإسرائيلي ( ما أكده العميل السابق للمخابرات المركزية الأمريكية إدوارد سنودن،
لاجئ سياسي لدى روسيا )، و إلا كيف نفسر إطلاق سراح البغدادي من سجن بوكا الحربي،
و ظهوره في صور أشك أنها غير مفبركة مع السيناتور جون ماكين ( المنافس السابق
لمنصب الرئيس خلال الولاية الأولى لأوباما ) خلال لقاءه أعضاء الائتلاف السوري
المعارض، فهذا العسكري السابق بعد زيارته الخاطفة لليبيا أيام ثورة 17 فبراير،
باشرت الولايات المتحدة ضرباتها الجوية ضد قوات القذافي و هي تناصر الثوار
الليبيون ضمن عمليات سميت آنذاك بفجر أوديسا، ما يوحي أن الولايات المتحدة أبرمت
مع البغدادي صفقة عدم مهاجمته القوات الغازية بالعراق، مقابل تجنيده و حصوله على
الأمان من قبل " العالم المتحضر " للقضاء على الثورة السورية و إخماد
نيرانها إلى الأبد فيما بعد، ما أراح إيران و روسيا – الصين من الفيتو المزدوج
بمجلس الأمن، ناهيك عن تقديم طيران النظام السوري الغطاء الجوي لداعش كي تغزو
أرياف سوريا، نسائها سبايا لدى داعش، الأفظع من كل هذا نشط سوق النخاسة لبيع
الأطفال و النساء على حد سواء، أما الجارة الشمالية و هي تركيا، فرئيسها أردوغان
يسهل دخول المحاربون الأجانب عبر أراضيه للانضمام لتنظيم داعش، ناهيك عن تقاعس
الجيش التركي الدخول لكوباني ( مدينة كردية سورية متاخمة الحدود مع تركيا )، ذلك
حتى يتخلص نظام أردوغان من الأكراد كانتقام منهم عن مطالبهم المشروعة بتركيا (
يتواجد التراب الإقليمي لكردستان بأربع دول وهي سوريا، تركيا، العراق و إيران )،
لكن هذه المدينة صمدت حتى كتابة هذه السطور في وجه وحوش داعش بعد دخول قوات
البشمركة الكردية و الجيش الحر قبل شهرين.
قدر سوريا أن تكون مسرحا لتجاذبات
إقليمية و دولية، باتت ألعوبة بيد العالم، كل يغني على ليلاه، دخول متطرفون شيعة و
سنة، ناهيك عن " العالم المتحضر " على الخط، قوض مسار الثورة السورية
ربما للأبد، مستقبل هذا البلد الممزق مجهول لحد الساعة. العزة للثوار الحقيقيون
الذين يدافعون عن بلدهم ضد الآلة العسكرية لبشار الأسد و المتطرفون، الخزي و العار
لكل المتواطئين على هذا البلد الذي قدم و مازال يقدم دماءه الزكية من أجل الحرية.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق