المشاركات الشائعة

الخميس، 1 نوفمبر 2012

رياح الحرية


دخلت سنة 2011 على الشعوب العربية التواقة للحرية فالا حسنا، خصوصا أن هذه السنة شهدت سقوط ثلاث أنظمة ديكتاتورية، لكن النظام الليبي كان أكثر دمويا من النظامين التونسي و المصري، سقطت أعتد الأنظمة التي مارست كل الوسائل المتاحة في حق شعبها لما يربو عن ستة أشهر راح ضحيته أزيد من خمسون ألف ليبي، ذنبهم الوحيد أنهم تفوهوا بكلمات غير مسبوقة على مر أربع عقود حكمها العقيد معمر القذافي بيد من حديد، كانت هذه الكلمات بسيطة و واضحة ألا و هي الإصلاح و الخروج في مظاهرات احتجاجية سلمية، لكن حاكمهم لم يرق له هذا الأسلوب، فقمع شعبه بكل قوة، دون الدخول في البروتوكولات المملة في فض التظاهر، كاستخدام خراطيم المياه، الغاز المسيل للدموع  و لا حتى الرصاص المطاطي، بل انتقل منذ الوهلة الأولى، منذ أول صرخة في الشارع بالرصاص الحي، صوب بنادقه مباشرة نحو الصدور العارية بلا رحمة، ليعلن في الساعات الأولى من ذلك اليوم من التاريخ الليبي الحديث ( الأربعاء 17 فبراير 2011 ) ميلاد ثورة حقيقية يقوم بها شعب كنا نظن أنه لا حول و لا قوة له، طبعا العقيد لم ترق له نهاية بنعلي و مبارك، كافح من أجل الكرسي الذي اغتصبه من قبل، تمادى في قمعه الوحشي أكثر فأكثر، إلى أن أصدرت الأمم المتحدة قرارا بفرض الحظر الجوي على السماء الليبية ( لم يصوت على القرار كل من روسيا، الصين، الهند، برازيل، جنوب أفريقيا " مجموعة بريكس "، و كذلك ألمانيا )، لينطلق فجر أوديسا ( عملية أطلقت على القصف الجوي الذي تعرضت له المنشئات العسكرية الليبية من قبل فرنسا، بريطانيا و الولايات المتحدة الأمريكية )، كانت أول غارة قد نفذتها فرنسا، بطبيعة الحال هذا العمل أثلج صدور الثوار الليبيين، لتبدأ المعركة الحقيقية لتحرير ليبيا من قبضة المجرم المجنون معمر القذافي، لكن بعد ذلك انتقل الملف الليبي إلى مجلس الأمن ليفوض قوات الناتو من أجل إكمال المهمة في ظرف عصيب، حيث كانت كتائب القذافي على بعد كيلومترات قليلة من بنغازي ( معقل الثوار آنذاك )، ليبتكر القذافي و زبانيته مصطلح جديد لمعارضيه، حيث لم يعد يتفوه بالجرذان و لا الخونة أو العملاء، بل ثوار الناتو و مفتي الناتو (كان يطلق على الداعية الإسلامي الشيخ مصطفى القرضاوي )؛ تزامنا مع هذه الثورة المجيدة انطلقت ثورة شعبية عارمة في سوريا، لم يسلم شعبها من بطش النظام ( للأسف الشديد، لم يسقط هذا النظام البهيمي حتى كتابة هذه السطور )، مارس بشار كل الوسائل التي أتيحت لشقيقه في الرضاعة معمر القذافي، لم تأخذه لا رحمة و لا شفقة في حق شعبه، الأدهى من كل هذا، أن المجتمع الدولي انقسم بشكل فظيع، لم يصدر عن المنتظم الدولي و لا أي قرار إدانة أو إلزامي في حق نظام هولاكو القرن الواحد و العشرين، خاصة إذا استعرضنا عدد المرات التي مارست فيه روسيا و الصين حق النقض و قد كان ثلاث مرات ( للمفارقة، استعملت الصين حق النقض – الفيتو سبع مرات على مر تاريخ نشأة الأمم المتحدة، باحتساب المرات الثلاث التي اعترضت فيها على السهام الموجهة لحليفتها الإستراتيجية سوريا الأسد )، لم نعد نشاهد بشار كنظيره القذافي متهجم على العباد، على العكس تماما، هادئا و لبقا في الحديث، كأن الأمر لا يعنيه بالمرة، برود أعصابه تشك في القوة العقلية لهذا الشخص، قتل ما يزيد عن ثلاثين ألف من شعبه، و ما زال يحافظ على هدوئه، كيف لا و قد وقفت روسيا و الصين إلى صفه ضد شعبه ( دون نسيان ولاية الفقيه " إيران " )، سمعنا مصطلحات جديدة تفوه بها بشار من قبيل " مؤامرة خارجية، أيادي خارجية، جراثيم، مجموعات إرهابية مسلحة، مجموعات مندسة، هلم جرى "، لكنه نسي أمرا في غاية الأهمية أن شعبه عندما ثار عليه، طالب بإلغاء قانون الطوارئ المعمول به منذ أربع عقود ( بدأت الشعارات بالكلمات " بدنا نلعب عا المكشوف، الطوارئ ما بدنا نشوف " )، كيف يعقل أن يتم التعامل بقانون مجحف كهذا لما يربو عن أربعين سنة، كيف يعقل أن يتم اعتقال أطفال في عمر الزهور لمجرد كتابة " يسقط بشار " على أسوار المدارس، ثم تعذيبهم و قتلهم، فعلا هذه الأنظمة القمعية غبية في تعاملها مع شعبها، لو لم يحرق البوعزيزي ( ثائر تونسي، هو من أشعل الشرارة الأولى للربيع العربي ) نفسه أمام مقر الولاية في سيدي بوزيد احتجاجا على مصادرة عربة الخضار التي يسترزق منها هو و عائلته، لو لم تعذب الأطفال في سوريا لما وصلنا إلى ما نحن عليه الآن، أتساءل كيف ستكون البداية في أنظمة قمعية أخرى لم تسقط بعد، في المستقبل القريب سنرى ذلك. الشرارة الأولى للثورة تبدأ دائما بشيء بسيط لا نستطيع تصوره، كل دولة حتى ظروفها، سوف لن يسلم و لا أي نظام قمعي من هبوب رياح التغيير، أمريكا بجبروتها لقي ما يزيد عن ستون مواطن حتفه لمجرد هبوب إعصار ساندي، أتصور أن رياح الحرية أقوى بكثير من إعصار كاترينا، ساندي أو حتى تسونامي سومطرة، فعلا على الحكام الديكتاتوريين الاستعداد لحزم حقائبهم بلا عودة قبل فوات الأوان، أما من يريد أن يكون أكثر تعقلا فعليه بإصلاحات جدية وعميقة، إلا فمصيره كسابقيه، العالم لا يستثني أحدا.  
    

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق