المشاركات الشائعة

السبت، 6 سبتمبر 2014

دواعش المغرب

إلى روح والدي
ابتلى العالم المعاصر بتنظيم إرهابي همجي يسمي نفسه  بتنظيم الدولة الإسلامية في العراق و الشام أو اختصارا " داعش "، هذا التنظيم خرج إلى النور مع احتدام المعارك بين نظام بشار و الثائرون عليه  في سوريا، ترى إلى متى سيستمر هذا التنظيم البهيمي حصد أرواح الأبرياء لأتفه الأسباب .
أرسلت أطر مغربية متطرفة نحو الألف و خمسمائة داعشي لسوريا، ليس من أجل قتال قوات النظام السوري، لا من أجل قتال الجيش الحر الثائر على نظامه، بل من أجل انتزاع أراض حررها الجيش الحر من نظام الأسد و من المليشيات الشيعية ( حزب الله، لواء أبو العباس، لواء ذو الفقار، ... الخ )، الأدهى أن هذا التنظيم يحارب جبهة النصرة المقرب من تنظيم القاعدة، ما يعني أن التنظيمات السنية لا تنسق فيما بينها لمحاربة تنظيمات شيعية معادية لها فكريا و عقائديا، ما مرده أن الثورة السورية كبح جماحها من قبل جماعات متطرفة سواء كانت سنية أو شيعية ( وجهان لعملة واحدة و هي الإجرام و التطهير العرقي )؛ هذا العدد من المقاتلين المنذوون تحت لواء " الشيخ " أبو بكر البغدادي يمارسون جرائم تنذر لها الجبين من إعدامات ميدانية ( قطع الرؤوس ) إلى تدمير تاريخ سوريا ( المآثر التاريخية، عبارة عن أصنام حسب وجهة نظر داعش )، لنعد قليلا لأبو بكر البغدادي فهو عميل للموساد و المخابرات الأمريكية ( ما كشفه عميل السييا السابق سنودن، و هو لاجئ  سياسي أمريكي لدى روسيا ) تم زرعه في سوريا لتعطيل الثورة السورية، نجح في مهمته ما جعله يطمح في أبعد من ذلك، بمواصلته " فتوحاته المباركة " داخل التراب العراقي المنهار أمنيا بفعل الاحتلال الأمريكي عام 2003، و حكومات العملاء التي تعاقبت عليه حتى يومنا هذا ( حكومتي إياد علاوي و نوري المالكي )، لكن أسوء حكومة دعت للطائفية هي حكومة المالكي، كون مليشيات مسلحة كالصحوة و بدر لمحاربة السنة ( قتل و اغتصاب جماعي )، كأن السنة أعداء للشيعة ( حسب تصور الصفوي نوري المالكي ) وجب محاربتهم و أخذ الثأر من ذبح الحسين بن علي بن أبي طالب على يد اليزيد بن معاوية بن أبي سفيان عام 680 للميلاد ( يخلد العاشر من محرم " عاشوراء " كحفل بهيج بالنسبة للسنة، أما نظرائهم الشيعة فهو مأتم في ذكرى قتل الحسين بكربلاء )، فكان لهم ذلك من إعدامات بالجملة، أبرزها إعدام الرئيس العراقي السابق صدام حسين صبيحة عيد الأضحى يوم 30 ديسمبر 2006 ، و نائبه طه ياسين رمضان يوم 20 مارس 2007 ( بقدرة قادر تحول حبل الإعدام إلى مقصلة بعد أن فصل رأسه عن جسده )، لم يكف كل هذا حتى يشفي الشيعة غليلهم في إخوانهم السنة، بل تجاوز حدود بلاد الرافدين إلى سوريا البلد المجاور الذي شهد ثورة عارمة على نظام قمعي همجي، شرد نصف تعداد سكانه و قتل نحو الثلاثمائة ألف سوري، سولت لمواطن بسيط مغبون على أمره نفسه، أن طالب بالحرية، لكنه قوبل بما شاهدناه منذ نحو اثنان و أربعون شهرا حتى كتابة هذه السطور بمجازر بالجملة ( الغوطة، باب عمرو، القابون، القصير ... الخ ) في حق الأطفال ، النساء و الكهول؛ ما أن لبث الجيش الحر و بدأ يتنفس الصعداء و هو يحارب كتائب النظام، حتى وجه هذا الأخير نداء الاستغاثة لإخوانه الشيعة في العراق و لبنان ( عائلة الأسد علوية المذهب، معتقد ديني له طقوس عقائدية كالمذهب الجعفري، يختلف الأول عن الثاني في مسألة تاليه علي بن أبي طالب ) الذين لبوا نداء الاستغاثة لابنهم البار الذي يمارس تطهير عرقي بحق شعبه ( خاصة السنة )؛ كل هذا جعل من جبهة النصرة ( مقربة من القاعدة ) تدخل على الخط لتحارب نظام الأسد و زبانيته من الصفويين الشيعة، بل حاربت إلى جانب الجيش الحر مرات عدة ( معظم أطر هذا الجيش الذي انشق عن النظام علمانيون )، هذه العناصر المسلحة دخلت من تركيا ( المغاربة يدخلون بلاد الأناضول بدون تأشيرة ) باتجاه سوريا، لكن ما أن دخل تنظيم داعش على خط النار حتى قوض هذه اللحمة بين جبهة النصرة و الجيش الحر، أصبح عدوا للكل، حتى أن مرات عدة يستفيد من الغطاء الجوي الذي يقدمه له نظام الأسد لدخول مناطق حررها الجيش الحر من كتائب الأسد، مارس تنظيم الدولة الإسلامية جرائم كانت ترتكب في عهد البيزنطيين، الرومان و المغول، ما حذا بالثورة السورية أن يتم كبح جماحها ربما إلى الأبد.

الخوف كل الخوف من دواعش المغرب الذين يحاربون بسوريا و العراق، عندما سيعودون لأرض الوطن سيشكلون تهديدا على الأمن القومي لبلدنا، كيف لا و قد اكتسبوا مهارات كبيرة في الإجرام، هم أكثر تطرفا و إرهابا من تنظيم المغرب الإسلامي التابع للقاعدة، الأدهى من كل هذا أن المجتمع المغربي يتجه نحو التطرف الديني من يوم لآخر ( منقبات و محجبات في عمر الزهور في كل مكان )، ما يعني أن داعش ستجد أرض خصبة لفرض عقيدتها على الكل دون استثناء بحكم تعاطف هؤلاء المتعصبون مع هذا التنظيم البهيمي، من طرائف التعصب تجد بعض الفتيات المحجبات تشترطن على فرسان أحلامهم الصلاة ( قيام الليل، الاستخارة، الإعتكاف في المساجد لحضور خطب في الدين، هلم و ما جرى ) و قراءة الكتب الدينية ( غالبا ما تكون ممنوعة بسبب دعوتها للتطرف و الإرهاب )؛ أي مجتمع نعيش فيه و نحن على مشارف العقد الثاني من القرن الواحد و العشرون، تجد العالم الغربي يتنافس شبابه على اختراع ما يفيد الإنسانية ( أيفون، أيباد، ... )، أما فئة من شبابنا تتنافس على " الجهاد و نيل الشهادة " كي تلاقي حوريات الجنة في دار الآخرة.  














السبت، 23 أغسطس 2014

ما بعد الكارثة

اجتمع ملاك دكاكين سوبير مارشي الناضور الذي احترق عن بكرة أبيه،  يوم 18 غشت 2014 بغرفة التجارة و الصناعة على الساعة الثالثة و النصف بعد الزوال، تمخض عن هذا الاجتماع ميلاد نقابة للملاك، هي من ستتكفل بالتفاوض مع السلطات ما من شأنه هدم و إعادة بناء هذا الصرح العظيم.
تم إعلان يوم الاثنين 18 غشت 2014 قبل أسبوعين أو أكثر، الاجتماع المزمع انعقاده بغرفة التجارة و الصناعة على الساعة الثالثة و النصف، بطبيعة الحال فالموضوع يهمني شخصيا، فذهبت لأطلال سوبير مارشي الناضور لمعرفة زمكان ذلك الاجتماع، فقد أكدوا لي ما ذكرته سابقا، كل الأمور طبيعية لحد الآن، رغم ذلك قصدت غرفة التجارة و الصناعة لتقصي الحقيقة، حيث أكد لي موظف في الاستقبالات أن الاجتماع سيكون عند الساعة الخامسة مساء، كررت له ما أكد لي بسوبير مارشي و هي  الثالثة و النصف، لكنه أصر على ما ذكره، مع ذلك ذهبت نحو المندوبية ( بنفس البناية )، حيث أكد لي مسئول أن موعد الاجتماع هو الخامسة مساء، قبل أن أنصرف شكرته على حسن الاستقبال و يا لغبائي، لم أكن أتصور عندما أعود لنفس المكان عند الخامسة إلا عشر دقائق ( مكان به ثلاث سيارات للشرطة، ناهيك عن رجال الشرطة بكل الرتب ) أن الاجتماع التأسيسي لنقابة الملاك قد انعقد عند الثالثة و النصف بعد الزوال، ما يعني لحظة وصولي الاجتماع بات من الماضي، ما يحز في نفسي أن تجد موظفا عموميا يكذب عليك في أبسط الأمور، فهو لم و لن يكن اجتماع يخص سياسة الدولة بل مجرد اجتماع عاد يخص عينة من المجتمع المدني، لست أدري إلى متى يتم الاستخفاف بمصلحة المواطن، إن كان مسئولو الإقليم هم فعلا ساهرون على أمننا و حماية ممتلكاتنا، إن كان مسئولو الإقليم يأخذون موضوع سوبير مارشي على محمل الجد، لما الكذب إذن، هذا الأسلوب أكل عنه الزمن، همهم الوحيد هو الهاجس الأمني، متخوفون من تحول الاجتماع إلى اعتصام أو مظاهرة تجوب شوارع المدينة في ساعات الذروة، خصوصا أن المدينة تعاني من اختناق المرور في فصل الصيف على غرار معظم المدن الساحلية للمملكة، لكن عندما يدهس قطار مواطن عادي، فلن تجد أثرا للشرطة و هذا المواطن المسكين يلفظ آخر أنفاسه في سيارة الإسعاف التي تأخرت نحو الساعة  و هي في طريقها للمستشفى، ناهيك عن غياب تام لأفراد الشرطة عن معظم نقط ملتقى الطرق و المدينة  تعاني من اكتظاظ فظيع خلال شهر غشت، ما مرده كثرة حوادث السير و فوضى عارمة تعم داخل و خارج المدينة؛ أما الحفر فتوحي لك أنها نيازك سقطت من الفضاء الخارجي على أرض المدينة، دون إغفال مسألة هامة و هي كثرة المشردين و قطاع الطرق؛ أما أفارقة جنوب الصحراء فقد كرمهم الأمن المغربي أحسن تكريم من ضرب مبرح و مطاردات في الأزقة كالكلاب الضالة، مع أن هؤلاء الأجانب لا يؤذون أحد، على العكس تماما يطلبون الصدقة بهدوء تام يغيب عنه كل أثر لمضايقتك، ترى عندما ستأتي فرصة التسلل لمليلية المحتلة، ماذا سيقول هؤلاء الأفارقة للمجتمع المدني الإسباني أو الأوروبي عامة عن عناصرنا الأمنية التي تطاردهم في كل مكان، حتى بات مأواهم الوحيد هو جبل كوركو، يفقدون فيه آدميتهم التي سلبوها منهم حكامهم و الممارسات المشينة لأمننا الوطني للأسف الشديد، اهتزت كثيرا صورة المغرب لما يردده الأفارقة لنا نحن كمواطنين و لمستقبليهم عندما يعبرون الضفة الأخرى للبحر الأبيض المتوسط.

النظام المغربي ليس دركيا لأفريقيا، المغرب ليس مجبرا بمحاربة الهجرة السرية لأفارقة جنوب الصحراء نحو أوروبا، مادام ذلك لا يمس الأمن القومي للمملكة، نريد من نظامنا أن يوفر ملاجئ الإيواء لهؤلاء الأجانب بدلا من مطارداتهم في الأزقة و الشوارع كأن هؤلاء الأفارقة كلاب ضالة، نريد من نظامنا توفير الشروط الصحية لضيوفنا خصوصا أن وباء إيبولا يدق أبوابنا و من ثم ترحيلهم إن اقتضى الحال  ( في ظروف جد إنسانية، دولهم لا تعاني من اضطرابات سياسية أو تطهير عرقي كما هو حال جمهورية إفريقيا الوسطى )، و إلا فهناك جهات دولية مهتمة باللاجئين تحفظ آدمية ضيوفنا، نريد من نظامنا أن يسهر على أمننا بدل من السهر على أمن بؤر استعمارية تابعة تاريخيا و جغرافيا لسيادتنا، تعيش منطقنا إهمال مقصود على جميع الأصعدة، و إلا كيف نفسر عدم فتح تحقيق في حريق سوبير مارشي، عن أسبابه و محاكمة المقصرين، لا نتحامل على أحد، إنما هناك مسائل تستدعي من الدولة تحمل مسؤولياتها في القريب العاجل.    












الأحد، 27 يوليو 2014

ألمانيا بطلة العالم

أحرزت ألمانيا قبل نحو أسبوعين لقبها الرابع في كرة القدم على أرض البرازيل، أثبتت المانشافت أحقيتها باللقب العالمي رغم توفق المنتخب الأرجنتيني على معظم أطوار المباراة، لكن ذلك لم و لن ينقص من القيمة الكروية التي قدمها المنتخب الألماني على مدار مبارياته في المونديال و هو يكتسح البرتغال برباعية، و بسباعية على البلد الضيف.
خاضت ألمانيا حربين في القرن الماضي، حيث منيت بهزيمتين، لكن أكثرها تأثيرا على المدى البعيد هي يوم استسلمت ألمانيا للجيش الأحمر السوفياتي الذي دخل برلين يوم 8 مايو 1945، أسفر عن هذه الهزيمة النكراء مقتل خمسة  ملايين من الجنود و المدنيين، ناهيك عن انهيار اقتصادها و تدمير معظم مدنها الكبرى، لكن الأفظع من كل هذا أن هذه الدولة قسمت إلى دولتين كانت تسميان ألمانيا الشرقية ( تابعة سياسيا للإتحاد السوفياتي السابق ) و ألمانيا الغربية ( تابعة سياسيا للولايات المتحدة، فرنسا و بريطانيا )،أما العاصمة برلين فقد قسمت إلى شطرين تابعين للسوفيات و الغرب، حيث اتخذت جمهورية ألمانيا الديمقراطية برلين الشرقية كعاصمة لها، بينما اتخذت شقيقتها ألمانيا الفيدرالية بون كعاصمة لها، لكن ذلك لم يثن الألمان النهوض ببلدهم الذي خرج مهزوما و منهارا اقتصاديا و سياسيا من حرب خاضها الزعيم أدولف هتلر ( 20 أبريل 1889 – 30 أبريل 1945 ؟؟؟ ) ضد الحلفاء ( الإتحاد السوفياتي، الولايات المتحدة، بريطانيا و فرنسا ) بإعادة فتح المصانع بعد ترميمها أو إعادة بناءها من جديد، مما أسهم بالاقتصاد الألماني النهوض مجددا أو أقوى من ذي قبل، من طرائف هذا النهوض أن المنتخب الألماني لكرة القدم فاز بكأس العالم لعام 1954 على المنتخب المجري القوي في أول مونديال له بعد الحرب العالمية الثانية ( لم يشارك في مونديال البرازيل 1950 الذي فازت به الأوروغواي بسبب العقوبات المترتبة عن نتائج الحرب )، بعدها انطلق اقتصاد ألمانيا و يعود الفضل لليد العاملة الأجنبية التي استقدمها من الخارج، حيث هجرت بلدانها من أجل لقمة العيش و قد أحسنت عملا مادامت هذه البلدان تعيش تحت خط الفقر ( عمل والدي تغمده برحمته الواسعة لدى شركة أوبيل لمدة ثلاث عقود " 1961 – 1991 " )، بدأت تظهر في الأفق النهضة الجرمانية  خاصة في صناعة السيارات، كشركة مرسيدس بنز ( أسسها كارل بنز عام 1926 ) التي تصدر منتوجها نحو معظم دول المعمور بسبب جودتها العالية، أما شركة المحركات البافارية ( تاريخ التأسيس 1916 ) فلا تقل أهمية عن الأولى لا من حيث الأناقة و الجودة، هناك كذلك شركة أوبيل ( أسسها آدم أوبيل 1863 )، و أخيرا لكثرة شركاتها نود أن نذكر بشركة فولكسفاغن أو سيارة الشعب ( تاريخ التأسيس 1937)؛ أما الملابس الرياضية فهي تتوفر على شركتين عملاقتين هما أديداس ( أسسها أدولف داسلر عام 1924 ) و بوما ( أسسها ردولف داسلر عام 1924 )، مؤسسي الشركتين هم إخوة أشقاء. من خلال التواريخ المشار أعلاه يتضح أن أهم الشركات قد أسست قبل الحرب العالمية الثانية، ما يعني أن الألمان رغم سقوطهم المدوي في الحرب و معاناتهم، استطاعوا أن ينهضوا مجددا بسبب هذا الكم الهائل من الشركات و المصانع التي يتوفرون عليها، بقوة الإرادة لدى ألمانيا حكومة و شعب، استطاعت النهوض مجددا، لم يتم تنصيب خونة أو عملاء الاستعمار على رأس هرم السلطة، بل حكومة منتخبة ( أنتخب أديناور يوم 15 سبتمبر 1949 كأول مستشار " رئيس وزراء "  لألمانيا الفدرالية  بعد الحرب )، لا بحكومة مكونة  من ثلة من العملاء تواطئوا مع الاحتلال من أجل مصالحهم الضيقة لو على حساب البلاد برمته؛ أما معظم الدول العربية فإن نظمها السياسية قمعية و فاسدة، يعلقون شماعة الاستعمار على صدورنا كأننا الوحيدون في هذا العالم الذين عانوا من ويلات الاحتلال و الحروب، قد ينساق البعض إلى كون ألمانيا دولة صناعية قبل الحرب، ما مرده أن هذه الدولة لم تقم بمعجزة تذكر، قامت بترميم المصانع لا أقل و أكثر، لكن أصحاب هذا الرأي تناسوا أن حكومة أتت على ظهور دبابات الاحتلال قد خربت بلدها ( العراق ) الغني بالنفط، مزق بلاد الرافدين صراع طائفي بين السنة و الشيعة، حيث بدأنا نسمع عن التيار الصدري، مليشيات بدر و الصحوة، مؤخرا نشطت مليشيات تابعة للسنة أهمها داعش، ليدفع الشعب العراقي ثمن هذا الصراع الطائفي؛ تعاقبت على ألمانيا حكومات منتخبة، حيث أنتخب إيرهارت مستشارا لأماني الفدرالية يوم 16 أكتوبر 1963 و هو مؤلف كتاب " الرفاهية للجميع " خلفا لأديناور، فعلا هذا المستشار الجديد استطاع بحنكته عندما كان وزيرا للاقتصاد أن ينقل ألمانيا نحو مصاف الدول المتقدمة اقتصاديا، في عام 1974 و تحديدا يوم 16 مايو تم تنصيب هلموت شميت مستشارا لألمانيا الفيدرالية و هي نفس السنة التي تم من خلالها المنتخب الأماني لكرة القدم إحراز لقبه العالمي الثاني، يجب ألا نغفل مسألة جد مهمة في تاريخ ألمانيا الحديث المتمثل في  الدور الفعال الذي قام به المستشار السابق هلموت كول ( 21 أكتوبر 1982 – 27 أكتوبر 1998 ) بتوحيد الألمانيتين يوم 3 أكتوبر 1990 ( شهدت ألمانيا الكروية التتويج باللقب العالمي الثالث قبل شهرين من التوحيد )، و قد خلفه في هذا المنصب غيرهارد شرودر ( 27 أكتوبر 1998 – 22 نونبر 2005 ) ذو توجه اشتراكي ( كان صديق حميم للرئيس الروسي الحالي بوتين، بحكم أن هذا الأخير كان ضابطا لدى جهاز الكاجيبي السوفياتي فقد كافأ صديقه الأماني بأن عثر له على قبر أبيه الذي قتل على يد الجيش الأحمر في رومانيا، عندما كان عسكريا لدى هتلر ) دخل في تحالف مع حزب الخضر بزعامة يوشكا فيشر، تميزت فترة حكم الدويتو شرودر – فيشر بالناجحة، بحكم إعادة تهيئ اقتصاد الجزء الشرقي من ألمانيا، أما خارجيا فقد امتنعت ألمانيا التصويت في الأمم المتحدة عن توجيه ضربة عسكرية للعراق، ما حتم على المجنون جورج بوش الابن الاكتفاء بتفويض الكونغرس، فاحتل العراق في ربيع 2003؛ بعد فترة شرودر، أتت فترة أنجيلا ميركل كأول سيدة تحكم ألمانيا، و هي من حزب الإتحاد الديمقراطي المسيحي المحافظ، بطبيعة الحال ستكون لها التبعية للولايات المتحدة لكن ذلك لن يمنع تفانيها في العمل لتلبية مصالح الشعب الألماني الذي انتخبها و هي مستشارة منذ تسع سنوات تقريبا، ستودع ولايتها المستشارية و ألمانيا قد أحرزت لقبها الرابع في كرة القدم على أرض البرازيل، ستودع منصبها و اقتصادها لم ينهار كما انهارت معظم اقتصاديات دول المعمور.

أرض الفلاسفة، الفيزيائيون، الرياضيون و كبار علماء الاقتصاد حتى و إن سقطت سقوطا مدويا في الحرب العالمية الأولى و الثانية، فذلك لم يمنعها النهوض مجددا، ربما أقوى مما كانت عليه، لا يمكن لبلد مثل ألمانيا التي تعيش في رخاء منقطع النظير أن تكون حكوماتها فاسدة كما هو حال الوطن العربي الذي يعيش في تخلف و ديكتاتورية، مؤسساته مجرد ديكور للضحك على ذقون الغرباء، جل حكام هذا الوطن البئيس مجرد عملاء يعملون لصالح الاستعمار القديم و أولياء نعمهم، أما الشعوب المقهورة فهي مجرد رعاع لا أقل و لا أكثر. المجد لألمانيا الرائدة في جميع المجالات.            




الأحد، 29 يونيو 2014

كارثة الناضور

استيقظ سكان مدينة الناضور صبيحة الثلاثاء 24 يونيه على كارثة هزت اقتصاد الإقليم برمته، وسط سخط من المواطنين على السلطات المعنية، ترى من سيعوض هذه الخسائر المهولة التي تكبدها حريق أتى عن سوبير مارشي لمدينة الناضور.
استفاقت طفلة في عقدها الأول على رائحة خانقة تنبعث من الشارع  الذي تطل عليها غرفتها حوالي الثالثة و النصف فجرا، قامت بإيقاظ والديها، عندما أطلوا من النافذة وجدوا أن حريقا شب في بناية تتألف من أربع طوابق، هذه البناية أو المعلمة ( سميها كما شئت ) هي عصبة اقتصاد الإقليم، كيف لا و هذه المعلمة " التاريخية " تسترزق منها مئات العائلات، ناهيك عن السلع المتواجدة بها، بكل الأثمان و لكل الفئات سواء كانت محرومة أو ميسورة، هذه المعلمة كانت فسيفساء لمجتمع بكل أطيافه، المياوم الذي يتقاضى خمسون درهما في اليوم يمكنه أن يقتني ملابس مستعملة لأبنائه ( ما على ربة البيت سوى غسل هذه الملابس، كونها مستعملة لا يعني أنها غير صالحة، بل تحتفظ بجودتها، كل حسب إمكانيته، المهم أن يدخل الفرحة و البهجة على أبنائه هذا المياوم البسيط )، إلى عائلة ميسورة التي يمكنها أن تقتني ثوب الستائر بثلاثمائة درهم للمتر الواحد. أهل قدر الناضور ألا ينعم بهذا الرخاء و هذه المعلمة التي أصبحت من التاريخ هي من امتصت البطالة الخانقة التي يعاني منها معظم شباب المدينة، مادام الدولة لا تتوفر على وظائف شاغرة تستوعب هؤلاء الشباب في سوق العمل، حتى أن هؤلاء لم ينتظروا شيئا من المسئولين عن ملف التوظيف، بادروا بمشروع يتمثل في بيع ملابس مستعملة تلبي حاجيات الطبقة الفقيرة داخل هذا الصرح العظيم، إما داخل المحلات أو في الممرات بعد اتفاق مع الملاك مقابل واجب شهري رمزي، أما الملاك الذين جازفوا برأسمالهم في مشروع غير مضمون سرعان ما تبددت كل هذه المخاوف، و الدليل أن المحل التجاري الذي كان ثمنه قبل نحو خمس سنوات عشرون مليون سنتيم بات لحدود الاثنين الماضي ( 23 يونيه ) يساوي سبعون مليون سنتيم، ما مرده أن الرواج التجاري بهذا الصرح العظيم ازدهر بشكل كبير، حتى سوق مرجان لم يؤثر عليه بالمرة ( تأثر بسوق مرجان تجار المركب التجاري " سوق المركب "، خاصة المواد الغذائية ). كل ذلك أصبح من التاريخ، بفعل تماس كهربائي أو عمل مدبر ( يقال أن مؤسسة مرجان هي وراء هذا العمل الجبان، مجرد شائعات لست مسئولا عنها )، فأليكن تماس كهربائي، لكن لما الاستهتار بأرزاق العباد، خصوصا أن نداء استغاثة السكان كان في بدايات الحريق، لكن تماطل السلطات المختصة ( الشرطة و المطافئ ) جعل الحريق يزداد بوتيرة مخيفة خارج السيطرة، كيف يعقل أن يستقدم رجال المطافئ  في الوهلة الأولى قارورات الماء ( سعة خمس لترات ) لحريق شب في أربع طوابق عبارة عن عمارة غير مفتوحة، خاصة أن المواد التي تسببت في تزايد وتيرة الحريق بشكل مهول عجلات السيارات و القماش، كيف يعقل أن تجد رجل إطفاء يتبادل العناق مع صديقته في أزقة ملاصقة و الحريق في ذروته ( لا أظن أنه يقوم بعمله المهني المنوط إليه )، كيف يعقل أن يتم إخماد الحريق بالماء دون غيره ما تسبب في تشققات للبنيان المهدد بين لحظة و أخرى بالانهيار ( هناك وسائل أخرى لإخماد الحريق لا نتوفر عليها، أو تعمد إخفاءها )، كيف يعقل لعامل الإقليم أن يوجه نداء الاستغاثة لسلطات الاحتلال الإسباني المرابطة لمدينة مليلية السليبة، ألم يكن من الأجدر على السلطة المركزية أن تستقدم عناصرها الأكثر كفاءة و إمكانية من مناطق أخرى، خصوصا أن إقليم من حجم الناضور يتوفر على ميناء، مطار، محطة للقطار و طريق سيار لا يبتعد عن المدينة سوى بنحو 135 كلم ( كرسيف و وجدة )، بدل أن يستغيث عامل الإقليم بسلطات الاحتلال، الكل سيحن للاستعمار الإسباني، ترى أهل هذه المدينة ليست ضمن التراب المغربي، ما دور سلطات الإقليم هنا، أهل من أجل قمع المعطلون المرابطون عند باب عمالة الإقليم، و كذا تنظيم مهرجانات صاخبة تصرف فيها الملايين؛ لنعد قليلا إلى الوراء، منذ عشر سنوات في فجر يوم الثلاثاء 24 فبراير 2004، استيقظ سكان إقليم الحسيمة على كارثة طبيعية راح ضحيتها نحو الستمائة قتيل و آلاف المشردين، وجه آنذاك نداء الاستغاثة للسلطات الإسبانية التي لبت نداء الإنسانية دون تردد، فعلا التاريخ يعيد نفسه مجددا بعد عشر سنوات، لكن للأسف بفعل فاعل أو تماس كهربائي، لست عنصريا أن تدخل السلطات الإسبانية التراب الوطني بمحض إرادة السلطة المركزية من أجل حريق أو زلزال، لكنها كرامة بلد بأكمله، يحق للمتعصبين الإسبان التفوه بما يريدون ( لماذا نال المغرب استقلاله و هو عاجز عن حماية ممتلكاته دون تدخل منا " الإسبان " )، بدل أن يقف رجال المطافئ الإسبان و الشرطة المحلية لمدينة مليلية  المحتلة ساعات عدة تطلب إذن الدخول للتراب الوطني، كان من الأفضل تدبر السلطة المركزية الأمر دون دخول الأجانب لترابنا، المفاجئة السارة عند دخول مطافئ مليلية، أنه استطاع هؤلاء الأبطال أن يخمدوا جزءا من الحريق في ظرف ساعة واحدة ( استعملوا مسحوقا أبيض بدل الماء ) وسط تصفيقات الجموع، أما مطافئنا المنهكون منذ الأزل يقومون بتصوير زملاءهم الإسبان، أما آخرون فهم في خلوة " شرعية " مع خليلاتهم.

 ما أن تتعرض منطقة الريف المغربي لكارثة، إلا و توجه نداء الاستغاثة للسلطات الإسبانية، أما السلطة المركزية في سبات عميق كأن الأمر لا يعنيها، ترى الخسائر التي تجاوزت مائة و خمسون مليار سنتيم من سيتكفل بتعويض أصحابها، الأيام القادمة ستحمل مفاجآت غير سارة ليس للمتضررين فقط بل لمنظومة الدولة بأكملها إن لم توقف أسلوب الاستهتار بالريف.      






     

السبت، 19 أبريل 2014

شبح رئيسا للجمهورية

انتقلت الجزائر نحو عهدة رابعة لرئيس قام بواجبه الانتخابي على كرسي متحرك، ليبقى جاثما على قلوب الجزائريين حتى 2019 أو أكثر إلى أن يلاقي ربه، تلك هي الصورة المضحكة – الحزينة لرجل طاعن في السن و منهك القوى يريد أن يحكم أكبر بلد أفريقي ( أحد أغنى البلدان الأفريقية من حيث الثروة الوطنية ) و هو على بعد خطوة أو خطوتين من قبره، ترى ألم ينجب البلد المليون شهيد ما هو مؤهل عقليا و بدنيا غير بوتفليقة المريض؟. انتخب عبد العزيز بوتفليقة المولود بمدينة وجدة لأول مرة رئيسا للجزائر في أبريل 1999 بعد انسحاب كل المنافسين من السباق الرئاسي يوم قبل الاقتراع الرئاسي ( أبرز المنافسين آنذاك هم حسين آيت أحمد و مولود حمروش )، إثر احتجاج منافسو بوتفليقة على الخروقات التي شابت العملية الانتخابية، ما جعل من بوتفليقة المنافس الوحيد و الأوحد في السباق الرئاسي، ليصبح الساكن العاشر لقصر المرادية، في ولايته الأولى ( أو العهدة الأولى حسب تعبير أشقاءنا الجزائريون ) استطاع أن يفرض الأمن على التراب الجزائري بوئام مدني يتم من خلاله تسليم السلاح للدولة مقابل العفو على المجاهدين أو الإرهابيين ( سميها كما شئت )، فقد كان له ما يريد حيث اختفت العمليات الإجرامية بشكل تدريجي لبلد مزقته حرب أهلية يقال بين قوات النظام و مجاهدين ( اندلعت هذه الحرب الافتراضية بين العسكر و الإسلاميين الراديكاليين منذ يونيو 1992، مباشرة بعد اغتيال محمد بوضياف حتى بدايات القرن الحالي )، حتى يجمع الكل أن هذه الحرب الضروس أوقفها هذا الرجل بحنكته السياسية، خصوصا أن وسائل التكنولوجيا المتاحة آنذاك لم يكن بمقدورها كشف مجازر الجيش في حق مواطنين عزل لا حول و لا قوة لهم كما هو متوفر الآن من سكايب، يوتيوب و هاتف محمول يوثق بالصوت و الصورة مجازر ترتكب بحق المدنيين و تفنيد روايات النظام بشكل لا يدع مجالا للشك كما يحصل الآن خلال الثورة السورية ( تم فضح مجازر نظام بشار الأسد بالتكنولوجيا الحديثة )، توالت بعدها ولايات رئاسية تلو الأخرى، لتصبح عهدته الرئاسية أطول فترة قضاها رئيس جزائري على كرسي " العرش " ( تحول هذا الكرسي بقدرة قادر إلى كرسي متحرك يوم 17 أبريل 2014 ) منذ الاستقلال. فعلا الحكام العرب يخرجون دائما عن المألوف، كيف لا و شخص منهك القوى العقلية و البدنية ( يعاني من شلل نصفي منذ العام الماضي، و الدليل أنه استعمل في الاقتراع الأخير يده اليمنى أما الأخرى فلا ) الذي قضى نحو الست شهور في المستشفى العسكري الفرنسي " فال دوغراس " إثر حادث وعائي للدماغ، ما جعله يعاني من شلل نصفي، حتى عندما عاد لأرض الوطن كان يستقبل الوفود الرسمية بمن فيهم وزراءه بالبرنس الرئاسي و هو شاحب الوجه، يقوم بإمضاء مراسيم رئاسية على كرسي متحرك – كرسي العرش أو مستلقيا على سرير طبي؛ لتجده رئيسا جديدا للجزائر بنسبة بلغت 81%، مقابل 12% لأقرب منافسيه الخمس ( علي بن فليس، و هو رئيس حكومة سابق لمنافسه الحالي، و هو من أشرف على حملته الانتخابية عام 1999 ) أما لويزة حنون فلم تحصل سوى على 2% من " أصوات الناخبين " (قيادية يسارية تتزعم حزب العمال، و هي ناشطة سياسية بارزة اعتقلت مرتين لدى سجون النظام العسكري القائم بالجزائر). المعضلة  الحقيقية في فوز بوتفليقة بولاية رئاسية جديدة لا تكمن في الشخص بذاته، بقدر ما تكمن في المؤسسة العسكرية التي تحركه كما تشاء، هؤلاء القوم ( جنرالات الجيش ) مرعوبون من قدوم ساكن جديد لقصر المرادية ينفض الغبار عن فسادهم الذي فاحت رائحته في كل مكان، ناهيك عن الاغتيالات السياسية و هنا أخص الجريمة البشعة التي لقي على إثرها محمد بوضياف حتفه، كيف لا و قد وعد الشعب الجزائري بالقضاء على الفساد ( الفساد في الجزائر هو مرادف للمؤسسة العسكرية )، كما يجب ألا نغفل مسألة أكثر أهمية بالنسبة لنا كمغاربة و هي الصحراء، حيث وعد الرئيس الراحل إيجاد حل لمشكل الصحراء و لمرتزقة البوليساريو ( كيان أظهره للوجود وزير الدفاع الراحل الهواري بومدين المنقلب على الرئيس الشرعي آنذاك أحمد بنبلة )، بذلك حسب منطق هؤلاء القوم لا يحق لشخص عاش لما يربو عن ثلاث عقود بالقنيطرة المغربية أن يتجاوز الخطوط الحمراء المتفق عليها سابقا ( الصحراء و الجيش )، حسب منطق هؤلاء القوم فمحمد بوضياف عميل لدى المخابرات المغربية، عليه وجب تصفيته جسديا حتى يكون عبرة لكل جزائري شريف يجرأ التطرق لمثل هكذا مواضيع؛ أما الابن البار صاحب الكرسي المتحرك المنهك القوى فهو أداة في يد العسكر يفعلون به ما يريدون، زيادة على ملف الصحراء و الفساد، هناك مسألة لا تقل أهمية و هي ترسيم الأمازيغية ( تشكل مناطق القبائل، الشاوية و أخرى متاخمة الحدود مع المغرب أغلبية أمازيغ الجزائر ) ما يعني أن الأمازيغية ستصبح لغة رسمية إلى جانب اللغة العربية، لإجهاض هذا الترسيم قام النظام الجزائري بتفعيل صراع طائفي بين أمازيغ و عرب غرداية، كل ذلك حتى يظن الخارج أن الأمازيغ حركة انفصالية لا تنادي بالحرية فقط بل تدعو بخلق كيان مستقل لها عن الجزائر، لكن الحقيقة المؤكدة أن غرداية هي مهد ثورة الجزائر التي ستثور في وجه هذا النظام العسكري الفاسد الذي أصبح جاثما على صدور الجزائريين منذ عهد الاستقلال، ما زاد الطين بله فوز بوتفليقة بالعهدة الخامسة التي ستكون النقطة التي ستأتي عن الأخضر و اليابس ليس على الشعب الجزائري الشقيق بل على مؤسسة النظام برمته. ندعو للشعب الجزائري الشقيق أن يحفظه من أي مكروه قد يصيبه إن وقف في وجه نظامه الفاسد، ندعوه لتوخي الحذر، مستقبل الجزائر في أيدي أحفاد المليون شهيد، العزة لكم أيها الشعب الشقيق، قلوبنا معكم كي تطهروا بلادكم من هؤلاء القوم وإيداع رئيسكم بوتفليقة بمستشفى تحفظ كرامة رجل مسن يحتاج للرعاية الصحية، أنتم أيها الشعب الشقيق الذي سيقرر من سيدخل قصر المرادية دون سواكم.  
          

الأحد، 2 مارس 2014

أم تعيسة

إلى روح كل أم عانت في هذه الحياة

قبل نحو تسع عقود ولدت سيدة وسط الأدغال في الجبال، حيث كانت الفرحة الأولى لوالديها و هي تتربى في كنفهم، عندما وصل عمرها الستة عشر تزوجت بأحد أقرباءها، لم يعمر كثيرا معها حتى هجرها هي و بلده بالكامل، كان ثمرة ذلك الزواج التقليدي المشؤوم إبن ترضعه بين فينة  و أخرى بحكم أن عائلة الزوج طردتها من عش الزوجية بلا رجعة و الرضيع تحت رعايتهم، و أي رعاية تلقاها هذا الطفل البريء سوى حشره في بيت تنعدم فيه الشروط الآدمية لعيش إنسان بالغ، بالأخرى صبي في أشهره الأولى من ولادته، كانت الأم المحرومة من إبنها تذهب إليه كي ترضعه مرة في الأسبوع أو مرة خلال أسبوعين إلى أن فارق الحياة هذا الطفل البريء الذي ذاقته عائلة أبيه الأمرين كأنه ولد خارج إطار الزواج الشرعي لوالديه؛ بعدها مكثت هذه السيدة في بيت والديها و هي قد فقدت فلذة كبدها إلى أن وصل رجل آخر قصدها للزواج و هو أرمل له أبناء، فما كان منها إلا و أن تقبل بعرضه فتزوجت لتضع ذكرياتها المؤلمة كما ظنت في رفوف التاريخ، لتنتطلق في تجربة أخرى مع رجل بخيل لأقصى درجة، جعلها تتسول الصدقات من والديها و أخواتها عندما تزوجن، باتت محرومة من مصروف البيت، ليس بسسب عيشها وحيدة أو أن يكون زوجها العزيز قد هجرها كما فعل سلفه، بل بسبب بخله المرضي، في المقابل، للأمانة فقط لم تعامل أبناء زوجها كأنهم غرباء بل عاملتهم كما لو أن والدتهم مازلت على قيد الحياة؛ رزقت هذه السيدة بإبن و نعم الإبن ( في الأسطر القادمة، ستتضح شخصية هذا الأبن البار ) لتظهر بعد ذلك معاناتها مع زوجها الشحيح الذي كان يسيء معاملتها، حيث كان يضربها ضربا مبرحا، ما حذا بوالد تلك السيدة إلا و أن تدخل لصالح إبنته البكر و هي فض الشراكة مع هذا اللعين، حيث اقترح عليها السيد الوالد أن يمنحها منزل بمفردها مقابل أن تتنازل عن إبنها و هذا ما رفضته رفضا قاطعا بحكم ذكرياتها المؤلمة التي جعلتها تفقد رضيعها الذي خلف لها أزمة نفسية صعبة، لكن الوالد لم يكن رحيما معها خصوصا عندما بدر إلى مسامعه أنها تلتقي زوجها اللعين خلسة من أبيها، ما جعل الوالد إلا و أن طردها بلا رجعة، فاختارت زوجها الملعون و إبنها ( ملعون هو كذلك، هنا أقصد الإبن البكر من زوجها الثاني )، أثمر عش الزوجية عن ولادتها لإبنين آخرين، أما زوجها فلم يتداوى بعد من مرض إسمه البخل. ذاقت الأمرين هذه السيدة و هي تتناقل بين منازل أخواتها تطلب الصدقة، تحملت كل إهانات دار الدنيا من أجل توفير لقمة الخبز للأبناءها و هما صغار، ظانا منها أنهم سيعيلونها عندما ستصبح عجوزا، غير قادرة على زياراتها الروتينية للأخواتها و هي تطلب الصدقة ليس من أجلها بل من أجل أبناءها، لكن هذه السيدة أخطأت حساباتها كثيرا، فبعد موت زوجها البخيل و بعد أن شارف عمرها العقد الثامن حتى حشرت في بيت كثير الرطوبة تنعدم فيه كل الشروط الصحية لإنسان عاد، بالأحرى لعجوز مريض يحتاج للرعاية، لسخرية القدر الشخص الذي أضاق الأمرين لهذه السيدة و هي عجوز إبنها البكر، كل مرة تتحصل على نصيبها الشرعي من والدها أو زوجها إلا و يستحوذ ذلك الإبن البار على نقودها يتركها صفر اليدين، الأدهى من كل هذا و في أيامها الأخيرة عندما إشتد بها المرض، بدل أن يفكر هذا الإبن البار في طريقة لإنقاذ والدته التي عانت الكثير من أجله تركها و شأنها بعد أن سلب لها كل شيء كان معها، من كرامتها و هي تعود مرغمة عليها إلى زوجها البخيل، فقدت احترام والدها، سلب منها عزة النفس و هي تتناقل بين أخواتها تتسولهن من أجل كسوة له و لإخوته، فقدت مالها الخاص من أجله و هي في أمس الحاجة إليه كي تداوي نفسها و هي طريحة الفراش، أما الإبن البار رغم كل هذا،  كان شغله الشاغل زيارة الديار المقدسة ( العمرة ) التي ستكلفه أضعاف الأضعاف إن استقدم لها سيدة ترعاها في شيخوختها. انتقلت هذه السيدة إلى الرفيق الأعلى قبل نحو شهر من كتابة هذه السطور، تركت وراءها ذكريات مؤلمة تبكي الحجر، أما إبنها البكر فلا، كيف لا و هذا الإبن و قد وفرت له والدته كل ما يحلم به شخص في هذه الدنيا، هي من زوجته و قامت برعاية أبناءه، ترى كيف لشخص أناني تعود على الأخذ لا على العطاء، كيف لشخص أناني مثله كان يستغل والدته لأقصى درجة نظير أن توفر له ما يصبو إليه، لسخرية القدر هناك أمهات أخريات ينتظرنهن نفس مصير هذه السيدة، يتحلمن آلام المرض من أجل إرضاء مستلزمات أبناءهن و لو حساب صحتهن و هن في حاجة إليها عندما يكبرن، مؤكد أن مثل هؤلاء الأمهات سيلاقين نفس مصير هذه الأم التعيسة.  





الاثنين، 23 ديسمبر 2013

رحيل ماديبا


انطفأت قبل أسبوعين شمعة حياة حافلة بالأحداث لرمز الإنسانية نيلسون مانديلا، هذا الرجل الذي أعتقل لما يربو عن ثلاث عقود يحارب خلالها الميز العنصري المسلط على ذوي البشرة السمراء بجنوب أفريقيا إبان حكم الأبارتايد ( الميز العنصري )، لكنه بعد خروجه من المعتقل، ناد بالمصالحة الوطنية، الأدهى من كل هذا حتى عندما أنتخب رئيسا للبلاد اكتفى بولاية رئاسية واحدة و واحدة فقط.  ولد ماديبا يوم 18 يوليو 1918 قبل انتهاء الحرب العالمية الأولى بأشهر قليلة ( انتهاء الحرب يوم 11 نونبر 1918 ) في قبيلة كوسا التابعة لحكم أحد أجداده الذي كان حاكما لشعب تيمبو وكان يدعى مانديلا، أما والد ماديبا و الذي كان يدعى غاديلا فقد تزوج بأربع نساء، والدة ماديبا وهي نوسيكا فاني كانت تعتبر الزوجة الثالثة في عدد زيجات والد ماديبا، انتقل هذا الطفل الصغير الذي كان يدعى ماديبا لقرية كونو للعيش في كنف والدته، هذه القرية عاش فيها معظم طفولته، سهرت والدته التي كانت تعتنق الميثودية ( مذهب ديني منبثق من الديانة المسيحية ) على تعليم ابنها فأرسلته لهذه المدرسة المسيحية، أطلق عليه معلمه اسم نيلسون، في سن التاسعة من عمره التحق بالقرية والد ماديبا للعيش معهم حتى فارق الحياة. عندما بلغ ماديبا سن الثامن عشر انتقل من قريته نحو كلاركيري بداية، ثم هيلد تاون و فورت هير ( 1936 – 1940 في فترة شهدت احتلال ألمانيا النازية للنمسا و بداية الحرب العالمية الثانية )، بعدها انتقل لجوهانسبورغ و عاش فيها عامين ( 1941 – 1943 في أوج الحرب العالمية الثانية )، لينتقل لنشاطه الثوري ودراسته للقانون  في فورت هير في فترة 1943 – 1949، خلال هذه الفترة شهدت جنوب أفريقيا ميلاد الحزب الوطني الإفريقي المعادي للسود سن 1948 ( و هي نفس السنة التي شهدت نهاية الانتداب البريطاني بفلسطين و بداية حكم الصهاينة، و تعرف تاريخيا بالنكبة )، تزعم هذا الحزب العنصري أقلية من أصول هولندية، ما حذا بالأغلبية السمراء أن تقاوم هذا الإقصاء عبر مقاومة سلمية بداية، فأسست رابطة شبيبة المؤتمر التابعة لحزب المؤتمر الإفريقي ( أسس هذا الحزب يوم 8 يناير 1912 من جماعة تدعو لزيادة الحقوق لأغلبية السود بقيادة جون دوب، للمفارقة بعد شهرين أحتل المغرب يوم 30 مارس 1912 بموجب ما يسمى عقد الحماية ) في حملة للتصدي لقانون الفصل العنصري الذي مارسه الأوروبيون بحق السكان الأصليون، ليبدأ بزوغ نجم ماديبا في سماء بافانا بفانا ( أولادنا أولادنا بأحد لغات جنوب أفريقيا ) و تحديدا في ترانسفال حين أنتخب رئيسا لفرع المؤتمر الأفريقي سنة 1952 ( للمفارقة، في هذه السنة و تحديدا يوم 29 مارس، أعلن الرئيس الأمريكي السابق ترومان الذي أمر بإلقاء القنبلة النووية على هيروشيما و ناكازاكي في غشت 1945، عدم ترشحه لولاية رئاسية أخرى )، لتبدأ حملة المضايقات التي مارسها حزب الأبارتايد ( الميز العنصري ) ضد قادة حزب المؤتمر الوطني الإفريقي، من بينهم ماديبا مستوحيا نضاله من غاندي الذي كان يدعو لمقاومة سلمية، رغم ذلك فقد أعتقل يوم 30 يوليو 1952 بتهمة تنظيم شيوعي معاد للنظام الحاكم ( كون ماديبا متدينا، لم يمنعه ذلك التعامل مع بعض الشيوعيين و التشبع بأفكارهم )، ليخلى سبيله بعد ذلك شرط الكف عن نشاطه السياسي لمدة ستة أشهر، ما جعله يترك منصبه كرئيس لفرع ترانسفال، امتهن المحاماة كي يحارب الظلم الذي يسلط على بني جلدته بالوسائل القانونية، لكنه عدل عن هذه الفكرة ( أي مقاومة الظلم بالوسائل السلمية )، ما جعله يفكر مليا في خطة بديلة و هي الكفاح المسلح، أسس ماديبا منظمة تسمى أومكونتوري سيزوري " رمح الأمة " رفقة سيسولو و الشيوعي جو سلوفو يوم 26 يوليو 1961، ليصبح زعيما لجماعة مسلحة مستوحيا نضاله من ماو تسي تونغ وتشي غيفارا في حرب العصابات ( أول قائد قاوم الاستعمار بخطة حرب العصابات على الأقل في القرن العشرين هو الأمير مولاي محند " محمد عبد الكريم الخطابي " )، بذلك اعتبرت " رمح الأمة " الجناح العسكري للمؤتمر الإفريقي، ممثلة من السود والبيض الشيوعيين، حيث ركزت هجمات هذه المنظمة على المنشآت الحيوية كالثكنات العسكرية، محطات الطاقة و الطرق، كل هذه العمليات تتم ليلا، ليس خوفا من قوات النظام بل من اجل تجنب سقوط ضحايا مدنيين و خاصة الأطفال. في فبراير 1962 سافر ماديبا متخفيا خارج البلاد بتكليف من المؤتمر الإفريقي، حيث قادته جولته الأفريقية بداية إلى أديس أبابا، التقى خلالها إمبراطور إثيوبيا هيلا سيلاسي الأول،  وألقى كلمته مباشرة بعد الإمبراطور وسط حشود غفيرة يشرح وجهة نظره من ثقافة المقاومة ضد الاستعمار، لاقى استحسان الحضور كافة، في محطته الثانية زار القاهرة حيث كان معجبا بجمال عبد الناصر بنضاله من أجل إنقاذ مصر من جحيم الملكية الفاسدة، لكن هذا الزعيم ( هنا أقصد جمال عبد الناصر ) ما أن وصل السلطة هو و أنصاره حتى انقلب على أصدقاء الأمس و في مقدمتهم الجنرال محمد نجيب، فرض عليه الإقامة الإجبارية لمجرد أنه يخالفه الرأي في كيفية تسيير شؤون  البلاد، ناهيك عن إقصاءه للشيوعيين و إيداعهم بالمعتقلات رغم إدعاءه أنه ثوري و يساري تقدمي، لكنه كباقي أقرانه من الديكتاتوريين يعاني من السلطفوبيا، لم يفارق كرسي الرئاسة حتى انتقل إلى الرفيق الأعلى؛ حل ماديبا في محطته الثالثة بتونس الخضراء و التقى الرئيس التونسي الراحل لحبيب بورقيبة، لا يختلف هذا الشخص عن نظيره المصري في تعجرفه و ديكتاتوريته في شيء سوى أن الرئيس التونسي السابق كان مدنيا و محاميا ( كان عبد الناصر رجلا عسكريا )، تاريخ التقاء بورقيبة بماديبا صادف زواجه بوسيلة بن عمار ( مناضلة سابقة ضد المستعمر الفرنسي، أصبحت رفيقة الرئيس التونسي المزهو بنفسه ابتداء من يوم 12 أبريل 1962 )، لم يفارق بورقيبة كرسي الرئاسة الذي مكث في قصر قرطاج لما يربو عن ثلاث عقود حتى  انقلب عليه زين العابدين بنعلي يوم 7 نونبر 1987، ( من طرائف هذا الرئيس المتقدم في السن و المريض بالسلطة كان يقضي حاجاته في السروال، ما يجعل وزراءه لا يطيقون الدخول عليه في استقبال رسمي بسبب انبعاث رائحة البراز من السروال الرئاسي )، زواجه الحديث برفيقة عمره جعله يتكرم بمنح ماديبا مبلغ  خمسة آلاف جنيه إسترليني نظير شراء الأسلحة من أجل المقاومة، بعدها تناقل ماديبا بين لندن التي التقى خلالها يساريين و ليبيريا ( منح الرئيس الليبيري آنذاك وليام توبمان بعض المساعدات المالية لماديبا قصد شراء الأسلحة )، ليعود مجددا لإثيوبيا حيث بدأ هناك دورة تدريبية حول حرب العصابات لمدة ستة أشهر، للمفارقة فحرب العصابات أصبحت تدرس على نطاق واسع في كافة المعمور، رغم أن الأب الروحي لم يكن سوى الأمير مولاي محند، لا أحد استفاد من نضاله الطويل ضد المستعمر الفرنسي و الإسباني، لو تواجد هذا القائد الخالد في مكان آخر غير بلدنا لما احتفظت بخططه السرية في مجلدات توضع تحت تصرف متاحف و جامعات المملكة، الأدهى من كل هذا أن قبره متواجد في القاهرة خارج بلده الذي حارب من أجله ( لكم معركة أنوال خير دليل على نضاله ). عندما عاد ماديبا من جولته بالخارج، تم توقيفه يوم 5 أغسطس 1962، حيث أعتقل بالقرب من هويك و أودع بسجن  كائن بجزيرة روبن ( 1962 – 1982 )، التهمة التي وجهت لماديبا آنذاك تكوين عصابة إجرامية تحرض على قتل مدنيين من البيض، ناهيك عن إحراق مزارعهم و ممتلكاتهم ( رغم أن كل ما يملكونه هؤلاء المعمرون استولوا عليه سابقا، كما يفعل المستوطنون اليهود الآن  بفلسطين المحتلة )، بداية عزل عن المعتقلين السياسيين صنف "ب"، حيث حرم من قراءة الصحف و الزيارات العائلية  إلا والدته التي زارته عام 1968 لكنها بوقت قصير فارقت الحياة و تبعها حفيدها ( الابن البكر لماديبا )، وصلت حقارة إدارة السجن أن تحرمه حتى من حضور جنازتي والدته و ابنه البكر، للمفارقة عرفت هذه السنة حدثا مميزا و هو اغتيال صاحب المقولة الشهيرة " لدي حلم " مارتن لوثر كينغ، مناضل أمريكي من أصول إفريقية كان ينادي بالمساواة بين جميع أطياف المجتمع الأمريكي الذي هو الآخر يقوم باضطهاد ذوي البشرة السمراء؛ في عام 1970، صنف ماديبا كسجين من الدرجة " د "، حيث سمحت له إدارة السجن بزيارتين و رسالتين خلال العام، في سبتمبر من نفس العام زاره نائب بريطاني في مجلس العموم عن حزب العمال، للمفارقة  بعد مرور شهرين و في بلد آخر شهدت سوريا وصول حافظ الأسد لسدة الحكم إثر انقلاب عسكري عرف أنذلك بالثورة التصحيحية، هذا القائد العظيم ( حافظ الأسد ) أباد شعبه عن بكرة أبيه في أحداث حماة 1982، كان دمويا أكثر من اللازم ( ورثه ابنه بشار فسار على خطى أبيه، ربما تفوق عليه من حيث الإجرام الذي يمارس بحق الشعب السوري لحد كتابة هذه السطور ). في ديسمبر 1974، قام وزير العدل الجنوب الإفريقي جيمي كروجر بزيارة ماديبا في السجن لكنهما لم يتفقا على شيء يذكر، و في عام 1975 أصبح مصنفا من الدرجة " أ "، حيث سمحت له بزيارات و رسائل أكثر، هذا ما شجعه التراسل مع بعض التشطاء السياسيين مانغوسوتو و ديزوموند، الأدهى من كل هذا كتب سيرته الذاتية، صفحاتها كانت تهرب إلى لندن سرا، و بعد أن انكشف الأمر فقد تلك الامتيازات لمدة أربع سنوات ( أبرز حدث في 1975 هو نهاية حرب الفيتنام و توحيد الجزء الشمالي مع الجزء الجنوبي يوم 17 يونيو 1975، و قد دامت هذه الحرب زهاء عقدين من الزمن، تمثل الفيتنام عقدة نفسية بالنسبة للجيش الأمريكي، هذا ما جعله يرتكب حماقاته مع مطلع القرن الحالي كي يسترد هيبته التي فقدها على يد ثوار فيتنام الأشاوس )، ما دفعه لدراسة القانون مجددا و التفرغ لزراعة  الحدائق مطلع الثمانينات. في أبريل 1982 نقل ماديبا و رفاقه أمثال ملانجي و أحمد كثرادا إلى سجن بولسمور بكيب تاون، لكن هؤلاء المناضلين تم عزلهم عن النشطاء الأقل سنا حتى لا يتأثروا بمعتقداتهم الفكرية و الثورية ( كما كان يظن النظام القائم أتذك، لكنهم نسوا أنهم هم من صنعوا هذه الأيقونة التي أبهرت العالم من دون قصد بطبيعة الحال )، سمح لماديبا و رفاقه برسالة واحدة أسبوعيا، في عام 1985 عرض عليه بوتا رئيس جنوب أفريقيا آنذاك التخلي عن المقاومة المسلحة مقابل إخلاء سبيله لكن ماديبا رفض ذلك العرض، انتقاما منه أفرج عن جميع رفاقه إلا هو، لكن شاءت الأقدار أن يتعرض بوتا ( رئيس جنوب إفريقيا السابق ) لجلطة في الدماغ ما حذا به ترك كرسي الرئاسة لخلفه فريديك دو كلارك، بعد سقوط جدار برلين في نونبر 1989، التقى الرئيس السابق دوكلارك بماديبا عرض عليه تسوية لهذا الموضوع الشائك المتمثل في اعتقال شخص ناد بالحرية، ما جعل دوكلارك يقدم على خطوة أخرى إلى الأمام أن أعلن في قبة البرلمان يوم 2 فبراير 1990 إنهاء الحظر على حزب المؤتمر الإفريقي و إخلاء سبيل جميع المعتقلين السياسيين بمن فيهم ماديبا، و هو ما كان في يوم 11 فبراير 1990، حيث ترك سجن فيكتور فيرستر ليصبح حرا طليقا، ألقى خلالها خطابا في ملعب سوكر سيتي أمام مائة ألف جنوب إفريقي ( هذا الملعب شهد  إجراء مبارتي الافتتاح و النهاية خلال كأس العالم 2010، كما شهد حفل تأبين ماديبا )، أعلن خلالها المصالحة الوطنية رغم أنه قضى ما يربو عن ثلاث عقود في السجن، الأدهى من كل هذا حتى عندما أنتخب رئيسا يوم 10 ماي 1994 اكتفى بولاية رئاسية واحدة من خمس سنوات ليترك منصبه لتامو مبكي. ما يبهرك في الشخص الذي يدعى ماديبا أو مانديلا ( سميه كما شئت )، قضى ثلث عمره في السجن، لكنه عندما خرج ناد بالمصالحة الوطنية، حتى عندما وصل للسلطة لم يبق سوى خمس سنوات في السلطة، لم يفعل كما فعل بورقيبة، فديل كاسترو، جمال عبد الناصر، حافظ الأسد و ابنه بشار و لا حتى معمر القذافي، هؤلاء صدعوا رؤوسنا ببطولاتهم ليستغلوا شعوبهم و يمارسوا عليهم الديكتاتورية بأبشع طرقها، ذبحوا و شردوا شعوبهم من أجل كراسيهم لا من أجل المجد الذي حملوه لبلدانهم كما يظنون، أصحاب المجد الحقيقيون لا يطمعون في الجاه و السلطة بل تواقون لتحرير شعوبهم من العبودية و وضع مصلحة الوطن فوق كل اعتبار، أصحاب المجد الحقيقيون انطفأت شمعة حياتهم يوم 5 دجنبر 2013 عند التاسعة إلا عشر دقائق حسب التوقيت المحلي، ما عدا ذلك فلا أحد يستطيع أن يحمل إلى شعبه المجد و احترام العالم كما حمله  ماديبا تغمده الله برحمته الواسعة.