إلى روح كل أم عانت
في هذه الحياة
قبل نحو تسع عقود ولدت سيدة وسط
الأدغال في الجبال، حيث كانت الفرحة الأولى لوالديها و هي تتربى في كنفهم، عندما
وصل عمرها الستة عشر تزوجت بأحد أقرباءها، لم يعمر كثيرا معها حتى هجرها هي و بلده
بالكامل، كان ثمرة ذلك الزواج التقليدي المشؤوم إبن ترضعه بين فينة و أخرى بحكم أن عائلة الزوج طردتها من عش الزوجية
بلا رجعة و الرضيع تحت رعايتهم، و أي رعاية تلقاها هذا الطفل البريء سوى حشره في
بيت تنعدم فيه الشروط الآدمية لعيش إنسان بالغ، بالأخرى صبي في أشهره الأولى من
ولادته، كانت الأم المحرومة من إبنها تذهب إليه كي ترضعه مرة في الأسبوع أو مرة
خلال أسبوعين إلى أن فارق الحياة هذا الطفل البريء الذي ذاقته عائلة أبيه الأمرين
كأنه ولد خارج إطار الزواج الشرعي لوالديه؛ بعدها مكثت هذه السيدة في بيت والديها
و هي قد فقدت فلذة كبدها إلى أن وصل رجل آخر قصدها للزواج و هو أرمل له أبناء، فما
كان منها إلا و أن تقبل بعرضه فتزوجت لتضع ذكرياتها المؤلمة كما ظنت في رفوف
التاريخ، لتنتطلق في تجربة أخرى مع رجل بخيل لأقصى درجة، جعلها تتسول الصدقات من
والديها و أخواتها عندما تزوجن، باتت محرومة من مصروف البيت، ليس بسسب عيشها وحيدة
أو أن يكون زوجها العزيز قد هجرها كما فعل سلفه، بل بسبب بخله المرضي، في المقابل،
للأمانة فقط لم تعامل أبناء زوجها كأنهم غرباء بل عاملتهم كما لو أن والدتهم مازلت
على قيد الحياة؛ رزقت هذه السيدة بإبن و نعم الإبن ( في الأسطر القادمة، ستتضح
شخصية هذا الأبن البار ) لتظهر بعد ذلك معاناتها مع زوجها الشحيح الذي كان يسيء
معاملتها، حيث كان يضربها ضربا مبرحا، ما حذا بوالد تلك السيدة إلا و أن تدخل
لصالح إبنته البكر و هي فض الشراكة مع هذا اللعين، حيث اقترح عليها السيد الوالد
أن يمنحها منزل بمفردها مقابل أن تتنازل عن إبنها و هذا ما رفضته رفضا قاطعا بحكم
ذكرياتها المؤلمة التي جعلتها تفقد رضيعها الذي خلف لها أزمة نفسية صعبة، لكن
الوالد لم يكن رحيما معها خصوصا عندما بدر إلى مسامعه أنها تلتقي زوجها اللعين
خلسة من أبيها، ما جعل الوالد إلا و أن طردها بلا رجعة، فاختارت زوجها الملعون و
إبنها ( ملعون هو كذلك، هنا أقصد الإبن البكر من زوجها الثاني )، أثمر عش الزوجية
عن ولادتها لإبنين آخرين، أما زوجها فلم يتداوى بعد من مرض إسمه البخل. ذاقت
الأمرين هذه السيدة و هي تتناقل بين منازل أخواتها تطلب الصدقة، تحملت كل إهانات
دار الدنيا من أجل توفير لقمة الخبز للأبناءها و هما صغار، ظانا منها أنهم
سيعيلونها عندما ستصبح عجوزا، غير قادرة على زياراتها الروتينية للأخواتها و هي
تطلب الصدقة ليس من أجلها بل من أجل أبناءها، لكن هذه السيدة أخطأت حساباتها
كثيرا، فبعد موت زوجها البخيل و بعد أن شارف عمرها العقد الثامن حتى حشرت في بيت
كثير الرطوبة تنعدم فيه كل الشروط الصحية لإنسان عاد، بالأحرى لعجوز مريض يحتاج
للرعاية، لسخرية القدر الشخص الذي أضاق الأمرين لهذه السيدة و هي عجوز إبنها
البكر، كل مرة تتحصل على نصيبها الشرعي من والدها أو زوجها إلا و يستحوذ ذلك الإبن
البار على نقودها يتركها صفر اليدين، الأدهى من كل هذا و في أيامها الأخيرة عندما
إشتد بها المرض، بدل أن يفكر هذا الإبن البار في طريقة لإنقاذ والدته التي عانت
الكثير من أجله تركها و شأنها بعد أن سلب لها كل شيء كان معها، من كرامتها و هي
تعود مرغمة عليها إلى زوجها البخيل، فقدت احترام والدها، سلب منها عزة النفس و هي
تتناقل بين أخواتها تتسولهن من أجل كسوة له و لإخوته، فقدت مالها الخاص من أجله و
هي في أمس الحاجة إليه كي تداوي نفسها و هي طريحة الفراش، أما الإبن البار رغم كل
هذا، كان شغله الشاغل زيارة الديار المقدسة
( العمرة ) التي ستكلفه أضعاف الأضعاف إن استقدم لها سيدة ترعاها في شيخوختها.
انتقلت هذه السيدة إلى الرفيق الأعلى قبل نحو شهر من كتابة هذه السطور، تركت
وراءها ذكريات مؤلمة تبكي الحجر، أما إبنها البكر فلا، كيف لا و هذا الإبن و قد
وفرت له والدته كل ما يحلم به شخص في هذه الدنيا، هي من زوجته و قامت برعاية
أبناءه، ترى كيف لشخص أناني تعود على الأخذ لا على العطاء، كيف لشخص أناني مثله
كان يستغل والدته لأقصى درجة نظير أن توفر له ما يصبو إليه، لسخرية القدر هناك
أمهات أخريات ينتظرنهن نفس مصير هذه السيدة، يتحلمن آلام المرض من أجل إرضاء
مستلزمات أبناءهن و لو حساب صحتهن و هن في حاجة إليها عندما يكبرن، مؤكد أن مثل
هؤلاء الأمهات سيلاقين نفس مصير هذه الأم التعيسة.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق