المشاركات الشائعة

الأحد، 13 أكتوبر 2013

ذكرى الرحيل ( الجزء الأول )


قبل نحو عام رحل عن عالمنا والدي، انتقل إلى جوار ربه  و أنا أعيش لحظات عصيبة لآلام الفراق، لأول مرة أذوق مرارة فراق أقرب المقربين، صحيح أنني قد حزنت على عمتي عندما فارقت الحياة قبل نحو أربع سنوات، لغرابة القدر أنها دفنت هي و شقيقها ( والدي ) يوم خميس، الصدفة الأغرب من كل هذا أن زوجها ( صهر والدي ) حتى هو عندما غادر عالمنا دفن يوم خميس. إن الإحساس الذي ينتابك و أنت ترى جسد أبيك يوارى الثرى يجعلك لا تكترث للحياة، تحس أن لذة الحياة أصبحت مرة دون سابق إنذار، ما جعلني أتناول المشروبات الساخنة بدون سكر منذ رحيل أبي، عندما أصبح كل شيء مرا من حولي، حتى ضحكاتي لم تعد كما في السابق، بات الحزن يخيم علي منذ الرحيل، ما حذا بي إلا و أن أفجر طاقتي في الكتابة التي تهون علي وحدتي، هي خير جليس لي في الأيام العجاف التي مررت بها بعد هذا الفراق، تأكد لي الأصدقاء الحقيقيون و من يبحث عن مصالحه الضيقة، هذا الحادث الأليم ولد شرخا كبيرا بيني و بين مجموعة من الأشخاص، اتضح مع الوقت أنهم منافقون، يلهثون وراء مصالحهم دون مراعاة لمشاعر الآخرين، اتضح من خلال علاقتي بتلك التافهة التي كنت على علاقة بها أنها أنانية أكثر من اللازم، لم تراع الظرف العصيب الذي أمر منه، لوقاحتها كانت تقارن مكانتها لدي مع والدتي التي صدمها رحيل زوجها الذي عاش معها لخمس عقود، سهروا سويا على تربية أبناءهم، سهروا على تعليمهم، عايشوا حلاوة و مرارة الحياة سويا، لنعد لما قالته لي ذات مرة تلك الوقحة التافهة التي تدعي حبها لي أنها تحس منذ رحيل والدي لم أعد أعر لها الاهتمام الكافي، أضافت أنها تحس أنني أتقرب من والدتي أكثر منها، ناهيك عن لومي عن عدم ردي على رسائلها القصيرة و الناس يقدمون لي واجب العزاء، بطبيعة الحال علاقة كهذه محكوم عليها بالفشل، وضعت هذه التافهة أمام امتحان صعب، كنت في أمس الحاجة لمن يراعي مشاعري، لمن يحن إلي، لكنها لم تفكر سوى في إرضاء غرورها؛ أما الفجوة الثانية التي حدثت لي إبان رحيل الأب كانت مع قريبا لي حضر عرس وغد في الأيام الأولى من وفاة والدي، حزنت كثيرا لما بدر منه، خصوصا أن والدي قام بالكثير من أجله عندما هجره والده بحثا عن نزواته؛ الفجوة الثالثة أتت من شخص كان يدعي أنه نعم الصديق لكنه أثبت عكس ذلك، كنت أحس كل مرة ألتقي معه أن العلاقة قد فقدت حرارتها، كنت أحس بفتور العلاقة من جانبه، بطبيعة الحال ستنتهي العلاقة بعد ذلك؛ حتى لا أتهم أنني أتحامل كثيرا على الأشخاص لابد لي أن أقف عند بعض العلاقات الإيجابية التي تطورت بشكل جيد، خصوصا مع جار لنا الذي عطف علي و أنا في قمة الحزن، كان يلازمني، بات من الصعب أن أعتذر له عن تناول فنجان قهوة لسبب بسيط أنه قد منح لي كل الدعم الذي كنت في أمس الحاجة إليه، دون أن أنسى أصدقاء المقهى التي كنت أرتادها في الشهور الأولى لما بعد الرحيل، صحيح أن تلك المقهى يرتادها الحشاشون، الصعاليك و العاهرات إلا أنها كانت المتنفس الوحيد الذي كنت أملكه آنذاك. مرت علي الأسابيع الأولى من رحيل الأب كأنها أشهر، بت أداوم على زيارة قبر والدي مرتين أو ثلاث مرات في الأسبوع، أدعوا الله أن يغفر له  و يطهر سيئاته، أصبحت ألازم هذا القبر، لم يهنأ لي بال حتى قمت بتشييده ليصبح صرحا عظيما  ( على الأقل من وجهة نظري ) يرقد فيه جسد والدي في سلام، قد يتهمني البعض بالبذخ لكنه لم يتبادر إلى ذهني سوى ما قمت به كتكريم لرجل ضحى بشبابه لثلاث عقود و هو يعمل ليل نهار كي يوفر لأبنائه لقمة عيش كريمة، ذاق مرارة اليتم في سن مبكرة من حياته، طفولته القاسية عاشها متنقلا هنا و هناك لكسب قوت يومه يحفظه من الجوع المدقع الذي خيم على الريف المغربي في أربعينيات القرن الماضي، غادر بلده نحو ألمانيا و ابنه البكر في عامه الثالث، لم يعد لبلده حتى شارف عمره الست عقود و هو منهك القوى، ألا يستحق هذا الرجل كي يشيد له صرح يليق بمقامه و بما قدمه من تضحيات لأبنائه، حرم نفسه من الراحة و النوم كي يوفر لنا عيش كريم، سهر كي نتلقى تعليمنا في مراحل متقدمة  (الجامعة ) و هو ما كان بالفعل، بعد كل هذا لم يعد أمامي سوى أن أرفع يداي للسماء كي أدعوا له بالرحمة و المغفرة. ما من شخص يقدر التضحيات التي قام بها أقرب المقربين له إلا و يعبر عن شكره و عرفانه بطريقته الخاصة، إنه تكريم لشخص ضحى من أجلك كي يجعلك متعلما تكتب هذه السطور الممزوجة بالدموع، ذكراه ستلازمني إلى الأبد، بات للحياة طعم آخر، حتى و إن ذهب الحزن لكن آلام الفراق تبقى محفورة في ذهني، لم أعد أفرح كثيرا لمستجدات الحياة، ربما هذه الفرحة تغير طعمها لدي إلى الأبد، أما النوم العميق فلم أذقته حتى بعد مرور عام تقريبا عن رحيله، الشيء الوحيد الذي لم أفقده سوى شهية الأكل و الكتابة، هذه الأخيرة هي من تلازمني في وحدتي. رحم الله والدي و جميع أحرار العالم. 





ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق